ومن الطبيعي ان يزداد تأثر الأسير كلما اتسعت ثقافته وارتفع مستواه الاجتماعي والحضاري ، وذلك بحكم نوع علاقاته وسعة اطلاعه. فينقل عند عودته من الأسر ما تعلمه أو اعتماده ، الى بلاده. ويذكر أحد الاسرى العرب ، وهو هارون بن يحيى ، انه اسر في عسقلان وحمل الى القسطنطينية على طريق البحر ، ويذكر المدن والقرى والاماكن التي مر بها حتى انتهى الى عاصمة الروم ، فيصف مالفت نظره فيها أو تأثر به. كأبواب المدينة وبلاط الملك ، وهو قصر كبير في وسط المدينة يحيط به سور ، والبذرون وهو ميدان واسع يجتمع فيه البطارقة فيشرف عليهم الملك من قصره. وما شاهده في القصر من التماثيل النحاسية للبشر والحيوانات. ويصف سياق العجلات المذهبة ولباس الرجال الذين يسوقونها. وكنيسة الملك وقبتها وأعمدتها وأبوابها ومقصورتها والتماثيل التي فيها ، وحضور الملك اليها يوم الميلاد. وكيف يحضرون اسرى المسلمين ليأكلوا على مائدة الملك بعد أن ينادي منادى الملك ان هذه الاطعمة ليس فيها شيء من لحم الخنزير. ثم يصف (الارقنا) وهو الأرغن. ويبدي اعجابه بفخامة موكب الملك عند خروجه الى الكنيسة العظمى التي هي للعامة ، ويذكر اديرة الرهبان حوالي القسطنطينية ، ويتعجب من كثرة الرهبان فيها. ثم يصف سفره الى روما ومروره بسلانيك (١). وهو في وضعه هذا يعطينا كثيرا من التفصيلات التي يبدو في بعضها شيء من المبالغة. ويرجح ان هارون بن يحيى قد اسر وحمل الى عاصمة الروم في أيام الملك باسيل الأول (٢٥٣ ـ ٢٧٣ ه) (٢).
كما لا يخفى تأثير الرقيق الرومي في البيوت العربية ، لا سيما النساء وتأثيرهن على تربية الأولاد ، وتنظيم الشؤون المنزلية. بل لقد صار بعضهن أمهات خلفاء ، فقد كان أربعة من خلفاء سامرا
__________________
(٥) الاعلاق النفيسة / ١١٩ ـ ١٣٢.
(٦) الامبراطورية البيزنطية / ٤٨٤.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ٢ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2440_samarra-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
