قد وجهت الى مدينة السلام فجاءوني بكباستين ، وقد علمت انك تشتهيه. ثم قال يا ايتاخ هات احدى الكباستين. فجاء بكباسة بسر ، فمد المعتصم بالله ذراعه وقبض عليها بيده ، وقال : كل بحياتي عليك من يدي. فقلت : جعلني الله فداك يا امير المؤمنين ، بل تضعها فآكل كما اريد : لا والله الا من يدي. فوالله ما زال حاسرا ذراعه ومادا يده وانا اجتني من العذق (١). وقال ابن ابي دواد انه ركب يوما مع المعتصم بالله فانتهوا الى واد لا يعرف غور مائه ، فقال الخليفة لرحال ابن ابي دواد : مكانك حتى اتقدم فاعرف غور الماء واطلب قلته واتبع انت سيري. وتقدم رجل فدخل الوادي وجعل يطلب قلة الماء ، وتبعه المعتصم بالله فمرة ينحرف عن يمينه واخرى عن شماله وتارة يمضى لسننه ، ونحن نتبع اثره حتى قطعنا الوادي (٢).
لقد كان ابن ابي دواد يمثل الروح العربية الأصيلة في الكرم والأيثار والنخوة ، تلك الروح التي ساعدت العرب على الاحتفاظ بمقامهم في الدولة في عهد العباسيين ، رغم سيطرة الجند الاتراك وسلطان قوادهم. كما كان كريما جوادا ، حتى قيل انه لم ير في ابناء جنسه اكرم ولا انبل ولا اسخى (٣). ورآه اعرابي فقال : صفته شافية للقلوب ، ونصحيته جالبة للمنافع(٤).
وكان ابن ابي دواد يعزف عن مجالس اللهو ويكره سماع الموسيقى والغناء. يروى عنه انه قال : كنت اعيب الغناء وانكر
__________________
(٢٣) تاريخ بغداد ٣ / ٣٤٥.
(٢٤) نفس المصدر.
(٢٥) الفهرست / ٢٥٤.
(٢٦) البصائر والذخائر ١ / ١٣٣.
![سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين [ ج ١ ] سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2439_samarra-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
