حسبت هذا كله ثم الزكاة التي يأخذها الوهابي من حلفائهم وهي عشر أموالهم فلا بدّ أن تجعله أغنى ملوك الأرض ، وخصوصا إن اعتبرت قلة مصروفة وأنه يحرم الزهو وفخر الملابس وتنعمات الدنيا غاية التحريم ، وأنه عند حروبه تتجهز كل قبيلة بمالها ، وعليها المصروف والخسارة ، ولا تعويض لها.
كتب الشيخ الحنبلي :
«لم ينهب مكة ، وأما المدينة فأخذ مال الحجرة اسما له وحقيقته لغيره. لم يوجد في الحجرة ولا تاج إلا تاج السلطان سليم رحمهالله وحزامه ، وبيع الحزام بأربعة آلاف بندقي. قبر النبي لم يعلق عليه شيء ولا يتوصل إليه أحد (٢٠). ما أخذ سعود من الحجرة لم يذهب منه إلى الدرعية إلا بستة سحاحير ما بين مذهب مرصع بجواهر وذهب خالص. وأما جوهر مجرد من الذهب فكيس فيه زمرد أخضر ألف واحدة قدر بيض الحمام ، وأربعة آلاف دون ذلك. وأرسل الكيس للشريف غالب وقال له : بعه على خواجات مكة وجدة وخذ بثمنه رزا وقمحا وسمنا لعسكره الذي في المدينة ، فأخذه الشريف غالب بثمن بخس وأرسل ببعض الثمن ما ذكر للعسكر الذي في المدينة».
ثم أنه في اليوم التالي ، حملني السرور الحاصل من إطلاقي على أن ذهبت أتنزه طول نهاري وأتفرج على كل شيء مما يوجد في الدرعية وصحرائها. وتلك البلدة مبنية بالحجارة البيض (١) ، وتحتوي على سبعة آلاف نفس (٢) ، وأغلبهم أقارب سعود أو وزراؤه أو رؤساء جنوده. لا صنائعية فيهم إلا القندقلية والبياطرة وهم قليلون. ولا شيء للبيع حتى مما يؤكل ، وكل واحد من سكان البلد يعيش من ملكه كغيط أو روضة تنبت قمحا وبقلا وفواكه. وفيها دجاج كثير ، ولهم غنم وأبل كثيرة ترعى في الصحراء.
وفي كل يوم أربعاء تجيء أهل مكة (٣) واليمن ويقايضونهم على المتاجر بابلهم وغنمهم وليس لهم متجر سوى هذا السوق.
__________________
(١) يقول روسّو ، قنصل فرنسا في بغداد ، إن دور درعية كانت مبنية بالحجارة ، بينما البيوت في الأحساء وبصورة عامة في جميع بلاد الجزيرة العربية كانت من الطين والقصب (روسو ، وصف ولاية بغداد ، ص ١٣٥ ، باريس ١٨٠٨).
(٢) يذكر حسين خزعل أن الدرعية كانت تضم قوات عسكرية نحو أربعة آلاف مقاتل (حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ص ٢٤٩ ، دار الكتب ، بيروت ، ١٩٦٨).
(٣) في المخطوطة : «مكا ، كرسي اليمن ، المحل الذي تخرج منه كميات القهوة ، لا مكة ...».
