السلطان سليم بعد فتحه مصر لتعسكر فى سواكن كما أرسل غيرها من الحاميات لاحتلال أسوان وإبريم وصاى. ويزعم كثير منهم أن أجدادهم من ديار بكر والموصل ، ولكن سلالتهم الحالية تتميز بالسحنة والطباع الإفريقية ، ولا يمكن أن تفرق بينهم وبين الحداربة فى شىء. كذلك تجد فى سواكن التجار والربابنة واللاجئين وغيرهم ممن انحدروا من مستعمرين أحدث عهدا من الأولين ، ولكنهم نسوا التركية من زمن مديد ، وتربطهم اليوم روابط المصلحة ووشائج الدم بأسلال الوافدين من حواضر العرب ـ وهم هنا كثيرون ، وزيهم زى حضر الحجاز وطباعهم وعاداتهم هى طباع أهل الحجاز وعاداتهم. وعلى ذلك تجد فى سواكن سلالتين متميزتين (١) البدو من حداربة وهدندوة الخ .. بما فيهم أحفاد الترك القدامى (٢) الحضر ، وهم إما عرب من الساحل المقابل أو ترك محدثون. ويتزاوج البدو فيما بينهم ، ولكن يصعب على الحضرى أن يتزوج بدوية لأن بنات الأسر الكبرى لا يزوجن إلا للبدو. ويسكن البدو ضاحية القيف. أما الحضر فيسكنون الجزيرة.
وزمام سواكن فى يد أمير الحداربة ، ويختار من كبريات أسر القبيلة وعددها خمسة ، ويميزونها عما عداها من الأسر بكلمة «أرتيقة» وهى كلمة بشارية تعنى الأشراف. وقضاء القيف موكول إلى الأمير ، ولكن سلطانه على البدو ضعيف وإن رأس محاكمهم. وهو تابع لباشا جدة اسميا ، غير أن سلوكه رهن بقوة متبوعه أو ضعفة. فحين كان أمر جدة إلى الشريف غالب ـ وكان الوهابيون آنئذ يشددون عليه النكير ويحدقون به من كل جانب ـ كان الأمير مستقلا عنه تمام الاستقلال ، أما بعد أن فتح محمد على والى مصر الحجاز فقد فاوض الباشا وأبرم معه اتفاقا. ويثبته حاكم جدة ـ أيا كان ـ فى مركزه سنويا ويخول له السلطة فى أن يجبى من القيف المكوس التى يفرضها الحدرابة على القوافل القادمة من الداخل. ولقد مضت عليه أعوام لم يدفع فيها للشريف شيئا نظير هذا الامتياز ، أما اليوم فإن خوفه من محمد على باشا قد حمله على شراء حق الجباية سنويا بنحو أربعين أوقية من الذهب أو ما يعادل ٨٠٠ ريال إسبانى.
