وليس للأمير من مظاهر الملوكية غير خفّيه التركيين الأصفرين اللذين لا بد له من انتعالهما جريا على التقاليد القديمة ، وغير طاقيته العربية الصغيرة. والتنافر ظاهر بين الخفين والطاقية وبين سائر لباسه البدوى. ولما كان لبس الطاقية لا يليق على شعر البدو الكث فقد اضطر الرجل أيضا إلى حلق رأسه. ويستخدم الأمير فى داره رجلين أو ثلاثة نستطيع أن نسميهم موظفين أو عيونا يتجسسون له ما تحمل كل قافلة من عبيد وبضاعة على وجه الدقة. ويسكن الأمير القيف ، وهو غير شيخ الحداربة ، فهذا لا علاقة له بالحكومة التركية ، إنما ينتخبه القوم لتصريف شئونهم الداخلية فحسب.
ويمثل الحكومة التركية فى سواكن جاب حكومى يسكن الجزيرة ويحمل لقب أغا. وهو يحكم المدينة ، ولكن يحد من سلطانه أشد الحد ما للحداربة من شوكة ونفوذ. وسلطانه اليوم لا يعتد به ، ولا بد أنه كان مثارا للازدراء الشديد قبل فتح محمد على لبلاد العرب. وباشا جدة وال على سواكن أيضا ، وله بهذه المثابة الحق فى أن يرسل إليها ممثلا له ، وهو حق لم ينازع فيه السواكنية قط ولو أنهم ما زالوا يروون لك ما جرت عليه السنة القديمة فى سواكن قبل أن تضم إلى جدة ، فقد كان لها واليها الخاص المبعوث من القسطنطينية. وليس للأغا من سبيل إلى الاحتفاظ بالبقية الباقية من سلطانه إلا بمسالمة الأمير والتفاهم معه ، فهو يسمح له ، أو قل يساعده ، فى أن يبتز بعض المال من المستضعفين بالقيف لقاء معاونة الأمير له على جباية المكوس بالجزيرة. وقد التزم الأغا فى السنوات الأخيرة بجباية المكوس التى تحصل على تجارة البحر فى سواكن ، وهو يدفع لخزانة الدولة فى جدة كل عام ٣٢٠٠ ريال مقابل هذا الامتياز ، وأكبر الظن أن هذا يغلّ له ألفى ريال أو ثلاثة آلاف كل عام ، وقد يتضاعف هذا المبلغ لو جبيت المكوس بدقة ، ولكن الحدارية ، وهم أقدر الناس على أدائها ، قوم ضنينون بمالهم أشد الضن. وتجبى الضرائب على الواردات كلها ولا سيما سلع الهند وتوابلها التى ترسل إلى أسواق السودان ، وكذلك على السلع الواردة من السودان ـ وأهمها العبيد والخيل والتبغ ـ والتى تشحن فى جدة
