ملئت لهم القصعة الخشبية الكبيرة ماء ووضعت على الأرض ، فيجثو العبيد ويشربون منها مرات كما تشرب الماشية من مساقيها. وهم يفعلون هذا اتقاء تبديد الماء إذا أخذ كل عبد منه نصيبا على حدة. ويشرب المسافر فى هذه الرحلات مقدارا كبيرا حين يتوافر الماء. ولا يحسبنى القارىء مغاليا إذا قلت إننى كثيرا ما شربت أوان العصر فى جرعة واحدة ملء زجاجتين من زجاجات الماء العادية. والاكتفاء بثلاث شربات فى اليوم أو أربع يعد تضييقا على الراكب. وإذا كان الماء موفورا قل أن تجد من الزنوج أو العرب من يقنع فى اليوم بأقل من ست شربات أو سبع ، أما حين تهب الرياح الجنوبية الشرقية فلا يكفى ماء ـ مهما كثر ـ لترطيب فم المسافر ، فهو يتلهف على الشرب كل ربع ساعة. وما يرويه البدو للحضر عن بقائهم ظماء يومين أو ثلاثة ليس إلا حديث خرافة ، والمسافرون فى أى جزء من أجزاء النوبة ـ أو فى طرق القوافل على الأقل ـ لا يفتقرون إلى الماء ولا يشتد بهم الكرب ما لم تكن الآبار قد نضب معينها. وليس فى الطريق قسم طويل يخلو من الماء إلا القسم من قوز رجب إلى سنار ، ومن حدود كردفان إلى شندى ، ومع ذلك فكثيرا ما يعانى التجار السودانيون ويلات العطش حتى ولو كانوا على مقربة من الآبار ، وما ذلك إلا لأنهم لجشعهم وحرصهم يسرفون فى تحميل جمالهم بالسلع والبضائع إسرافا لا يترك لهم متسعا لحمل زاد وفير من الماء. والقربة المتوسطة التى تسع خمسين رطلا من الماء أو ستين تكفى الرجل ـ فى حسابهم ـ ثلاثة أيام إذا كان وحده ، أو تكفى أربعة رجال يوما واحدا إذا كانوا يأكلون ويشربون جماعة.
وإذا حط العرب ساعات الظهيرة سموا ذلك «القيالة» ، فيقولون «نحن قيلنا فى المطرح الفلانى». وإذا أمرهم رئيس القافلة بالوقوف صاح بهم «قيلوا يا اخواتنا» ، فإذا أرادهم أن يستأنفوا السير صاح بهم «الشديد الشديد» (من وسق الأحمال والشد عليها) فإذا أرخى الليل سدوله هتف بهم «حطوا» فالعربى إذا روى لك مسيرة يومه قال «قمنا فى الفجر ، وقيلنا على الماء ، وشدينا والظل بطول الشخص ، وبعد النزول [الغروب] حطينا وبيتنا فى المطرح الفلانى».
