ومن عادة قوافل سواكن أن تسافر فى رتل واحد طويل كما تفعل قوافل الحجاز ، أما قوافل مصر ففى جبهة عريضة. على أن الطريقة الأولى أمثل ، ذلك لأنه إذا اختل حمل جمل من جمالها أمكن تنحيته عن الصف وإصلاح الحمل قبل أن تلحق الإبل المتخلفة بالركب. أما فى الطريقة الثانية فلا بد من وقوف القافلة كلها إذا وقع لجمل منها حادث. والقوافل السائرة من بغداد إلى حلب ودمشق ـ وقد تبلغ القافلة منها أحيانا ألفى جمل تمشى والجمال سائرة جنبا إلى جنب على مساحة تزيد على الميل. وكان أصحابنا التجار السواكنية يأمرون عبيدهم بسوق الجمال من مقاودها ، فإذا زل جمل أو تعثر أهووا بالسوط على قائده.
ووقع لى اليوم ونحن مقيلون أمر أضحكنى ورفه عنى كثيرا. ذلك أن التجار السود اشتروا شاة وذبحوها ثم وزعوا بعض لحمها على العبيد. وقد قدموا لى شطرا من هذا اللحم ولكنى رفضته لأن أكل اللحم يثير فى الظمأ الشديد للماء ، وكذلك فعل بهؤلاء العبيد بعد أن أكلوه ، ولم يكن فى قرب سادتهم ماء لسوء الحظ. فجاءنى منهم غلام يحمل عظمة لم يكد يفرغ من نهشها ، وقدمها إلى زاعما أنها ما زالت ملبسة بأكثر لحمها ، لآخذها لقاء شربة ماء ، ثم قال «لقد أرسل سيدى إلى قنقراب مع السواكنية فى طلب الماء ، فإذا عادت قربه ملأى فإنى أعدك صادقا برد هذه الشربة إليك». وليس فى الإمكان أن يصور المرء الخلق الشرقى فى الطبقات الوضيعة خيرا مما صوره هذا الغلام فى النهامه نصيبه من اللحم بهذه الشراهة ، ثم فى محاولته غشى بتقديمه العظمة إلىّ وبذل وعد يعرف أنه لا يستطيع إنجازه. على أن حيلته لم تنطل على ، وشربت أنا وغلامى آخر قطرة من الماء فى قربتى.
وسرنا فوق السهل الملح مرحلة طويلة بعد الظهر ، ورأيت فى أثناء مسيرنا غزالا كبير الحجم يوشك أن يكون فى طول الظبى ، وله قرون طوال مدببة. واقترب منه سواكنى ورماه برمحه ولكنه أخطأه. وقبيل الغروب طالعتنا سواكن من بعيد ، وحططنا قرب قرية صغيرة ـ أو قل دوار ـ بعد أن قطعنا فى يومنا عشر
