ولم أعهد مثل هذا فى الإبل من قبل ، فهى فى صحارى العرب والشام إذا رأت من بعيد جملا غريبا وهى ترعى أقبلت نحوه تعدو وتطفر ، بل إنها لتطيع فى غير عناء نداء الأغراب إذا كانوا من البدو كأصحابها. والإبل التى رأيتها اليوم كانت فى جملتها بيضاء كإبل النوبة. والسنط فى هذا الوادى قزم لشدة ما يتعرض له من الرياح الهوح. وقد رأيت ضربا متسلقا من الصبير يتطفل على هذا السنط كله ويلتف على بعضه التفافا تاما ويحجبه كأنه شبكة تحيط به.
وبعد مسيرة أربع ساعات اتجهنا شمالا بشرق ودنونا من جبل يتفرع فى السهل من سلسلة دئيب الرئيسية ، واسم الجبل قنقراب ، وتسكنه أسر من الهدندوة تمد سواكن بالزبد واللبن فى الصيف حين ترحل عنها الماشية. وحططنا ساعات الظهيرة على كثب من الجبل ، واشتد كربنا لقلة الماء. فإننا لم نحمل منه يوم ٢٣ إلا قدرا ضئيلا ، واستأجر تجار سواكن ـ وهم أدرى ببلادهم ـ عربيا فى غفلة منا فجلب لهم من الجبل حمولة بضعة جمال من الماء ، وعبثا توسلنا إليهم أن يعطونا والعبيد حظا منه. وقد يعجز الأوربى عن إدراك مقدار ما يحتاجه المسافر فى هذه البلاد من ماء للشرب والطهو والغسل ، ولكنه أحوج ما يكون إلى الماء لإطفاء غليله وترطيب حلقه الذى لا تفتأ تجففه لفحات الهواء المحرقة والسير على الأرض الملتهبة ، وقد يكون مقترا على نفسه فى شرب الماء من أيام عدة ، ومن شأن الغذاء الذى يتناوله ـ وقوامه العجين والسمن ـ أن يثير أشد الظمأ. وقد درجت القوافل فى هذه البلاد وفى صحارى العرب على ألا يشرب أحد إلا حين يقف الركب جميعا دقائق لهذا الغرض. ووقوف قوافل العبيد يكون عادة مرة حوالى التاسعة صباحا ومرتين فى العصر والمغرب حوالى الساعة الرابعة والسادسة ، كذلك يشرب الكل أول الظهر إذا حطت القافلة ، ويشربون مرة أخرى عقب الغداء ، ويفعلون مثل هذا فى العشاء. وشرب أحدهم فى غير أوان الشرب يعرضه لتهمة الضعف والطراوة ، وهم يهجونه بقولهم «فمه مربوط على خشم القربة» ، وهو إلى ذلك تصرف غير حكيم ، لأن فتحة قربتة فى غير أوان الشرب يعرضه للجاجة السائلين ، وهى لجاجة ليس من الحكمة دائما أن يرد أصحابها خائبين ، أما إذا وقفت القافلة كلها للشرب فلن يخطر ببال أحد أن يسأله شربة. وإذا كان لمسافر عبيد كثيرون
