الصخور مذبارحت تلال قوز رجب. وتنمو هنا السنامكى بوفرة. ويتفرع فى السلسلة اليسرى واد شديد الوعورة ، وفى موسم المطر يصبح وادى شنتيراب سيلا عرما ، وهو لا يقل عن ثلاثمائة ياردة عرضا واثنتى عشرة قدما عمقا. ولما مضينا قدما وجدنا الأرض مضرسة والطريق صخرية جدا ، فكانت الإبل تسير عليها بشق الأنفس. والدرب الذى سلكنا من لنقاى كله مطروق ، ويتصل حتى سواكن. وبعد مسيرة ست ساعات ونصف شمال الشمال الشرقى نزلنا واديا يحفل بالكلأ فانطلقت الماشية ترعاه.
وحدث فى مسيرنا هذا النهار أن سقط على الطريق جمل لأحد تجار كردفان فنفق ، أما تجار سواكن ـ وهم كعهدى بهم فى كل مناسبة ، قوم لا تعرف الرحمة ولا البر إلى قلوبهم سبيلا ـ فقد مروا بالرجل دون أن يبدو منهم أى ميل لإغاثته فى محنته هذه. وكان جملى أقوى إبل الركب ، فعرضت على الرجل خدماتى متطوعا ، وحملت جملى معظم ما كان يحمله الجمل النافق ، واضطرنى هذا إلى قطع باقى الطريق إلى سواكن سيرا على قدمى. وكان الرجل صاحب فضل سابق علىّ ، فكثيرا ما كان يأمر عبيده بطهو عشائى وجلب الماء لى حين يرانى متعبا مكدودا ، لذلك كان فرضا علىّ أن أرد له صنيعه.
٢٠ يونيو ـ قمنا بعد منتصف الليل ، وسرنا فوق سهل صخرى. ولما أشرقت الشمس علينا رأينا البحر على نحو ساعات منا. وأخذت التربة تبدو شديدة التشبع بالملح ، فاكتسى أكثر سطحها قشرة ملحة تتعمق فيها عدة بوصات. وقد تأثرت فروع الشجر بالهواء المتصاعد من هذه المتربة ، والذى زاده هواء البحر ملوحة فوق ملوحته ، فاسودت كأنها تفحمت ، وتعذر على قطعان الإبل المؤلفة من أربعين جملا أو خمسين أن تجد لها فيها بعض الورق الأخضر تأكله. ولم أر فى حياتى إبلا أقرب إلى التوحش مما رأيت هنا ، فقطعانها تنطلق لترعى دون حراسة من ناس أو كلاب ، ولا يبتغى الهدندوة من اقتنائها غير لبنها ولحمها ، أما الحمل فلا يستخدمون له إلا أقلها. وقد روع هذه الإبل اقتراب الناس والجمال المحملة ،
