الهدندوة يحملون معهم نساءهم ، وكانت النسوة جالسات على الإبل فوق رحال عالية مزخرفة مزوقة ، ولها عصى ثلاث أو أربع تمتد أمام رأس الجمل ونهاياتها محلاة بباقات كبيرة من ريش النعام الأسود. ويتأنق الإفريقيون ـ كما يتأنق بدو العرب فى تزيين إبل النساء فقط. وكانت الشراريب الجلدية مختلفة الحجوم ، والأجراس الصغيرة ، والودع الأبيض المجلوب من البحر الأحمر ـ كل أولئك يحلى عدة الجمال ورحالها. ولم تمر بى من هؤلاء النسوة امرأة إلا صاحت بصوت عال ثم ضحكت علىّ. وبعد مسيرة ساعتين ونصف حططنا تحت ظل وارف من أشجار السنط فى منخفض من الأرض يسمى وادى شنكرة. وكان على العبيد أن يجلبوا الماء من الجبل على مسيرة ساعة. وهنا جمعنا العشب الذى وصفت من قبل لنصلح به العصيدة. وجاءت نسوة فقيرات يبعننا لبنا ويستجدين قليلا من ذرة ، وهى نادرة عند هؤلاء البدو ، ويجلبون من التاكة حاجتهم منها ، ولكنهم يعتمدون فى غذائهم على اللبن واللحم دون غيرهما. ومضينا فى وادى عسير فى المساء متجهين للشمال بانحراف للشرق ، ثم حططنا لنبيت بعد أن سرنا ثمانى ساعات ونصف.
٢٤ يونيو ـ قام رئيس القافلة بصحبة بعض كبار التجار فى أثناء الليل وغادرونا على أمل بلوغ سواكن فى الغد لما توفر لهم من الهجان الطيبة. أما نحن فقمنا قبل الشروق. وتنتهى التلال الشرقية عند هذا العرض ، وحين أشرقت الشمس من خلفها طالعتنا صورتها منعكسة على مياه البحر على بعد شاسع منا ، فابتهج بهذا المنظر كل من بالقافلة ، ولعلى كنت أشدهم طربا. وقد سأل العبيد : أهو بحر النيل؟ وذلك أنهم لم يسمعوا قط ببحر كبير غير «بحر» النيل. ولكن بيننا وبين البحر سهل من رمال جرداء يكتسى قرب البحر بطبقة من الملح. ومضينا نضرب بين الشجر ومجارى السيول التى تفرغ مياهها فى الرمال. وبعد مسيرة ثلاث ساعات ونصف بلغنا وادى شنتيراب ، وفيه نبع متدفق الماء ، ولكنه ماء ملح زعاق. ويتجمع الماء فى حوض ، ولا يصلح لشرب الناس إلا إذا اكتسب عذوبة ماء المطر. وحول هذا النبع صخور من الجرانيت الأشهب لم ألق غيرها من
