غليظ فى اللحظة التى فطنت فيها إلى قصده ، ولما التقطت الفرع ضحك منى ، ولكن غرضه من تتبعى أصبح واضحا لا خفاء فيه ، لذلك أمرته أن يقف منى بعيدا وإلا حملت عليه ، وهكذا استطعت أن أعود أدراجى وألحق بالقافلة. ولو قتلنى الرجل وأخذ ما أحمل من ريالات قليلة ـ أحسبه غالى فى تقدير عددها ـ لعاد إلى القافلة آمنا مطمئنا ، فما كان غيابى ليحمل أحدا على الاهتمام بالبحث والاستفسار عنى يله الثأر لمقتلى. على أن هذا اليوم كله كان شؤما على ، فبينما كنت أملأ قربتى عند الظهر من الحوض أفلت جملى فى غفلة منى ـ وكنت قد شددت وثاقه إلى شجرة فى الوادى ـ وعاد إلى المناخ فى صحبة غيره من الجمال المحملة بالماء. فلما هبطت بقربتى الجبل وجدت الجمل قد أفلت ووجدت رفاقى السود قد عادوا. ولم يرض أحد من الباقين أن أضع قربتى على جمله ، ولما كانت أثقل من أن أحملها على كتفى طويلا فقد اضطررت للعودة إلى القافلة ملتمسا الجمل. وما ملأت قربتى وعدت ثانية إلى القافلة حتى وجدت الركاب قد بدءوا يوسقون جمالهم. وهكذا اضطررت بعد هذا الكد فى قيظ النهار إلى معاودة السير من فورى دون أن أصب طعاما ولا راحة. والحق أن التجار الذين يصطحبون معهم عددا من العبيد ينعمون براحة يحسدون عليها ، فالعبيد يضطلعون بالطهو وحمل الماء ووسق الإبل ، وليس على السيد إلا أن يرتب الأحمال ويستوثق من أن شيئا من بضاعته ومتاعه لم يترك. وهو ينعم ساعات القيلولة بنوم هادىء رخى تحت مظلة من الحصر ينصبها له عبيده فلا يوقظونه إلا وقد أعد كل شىء وتهيأ الركب للرحيل. وقد نفعنى غلامى الصغير فى هذه الرحلة فى جلب الخشب وإضرام النار ، أما الطهو وجلب الماء من بعيد ووسق الجمل فهذا كله كان ملقى على عاتقى.
وفى هذا الوادى بعض أسر فقيرة من الهدندوة تخشى أن تهبط إلى السهل فتتعرض لغارات البشارية. ولما كانت الأمطار لم تبدأ بعد فإن النبات فى الوادى المرتفع كان قليلا ، أما السهل السفلى فقد روى مرات.
ومضينا فى العصر فوق السهل الضيق متجهين شمالا زهاء ساعة ونصف. وهنا التقينا بقافلة صغيرة قادمة من سواكن ميممة التاكة ، وكان هذا يومها
