ذبحوا جملا قطعوا لحمه شرائح يعلقونها يومين فى الشمس حول رحال الجمال حتى تجف جفافا يقيها من التعفن ، ثم يعبئونها بعد ذلك فى الجربان. وكان القيظ شديدا طوال النهار ، وبعد الغروب أرعدت السماء وأبرقت ، ثم أمطرتنا وابلا ، وكنت أنشر فوقى حصيرا أتقى به البلل بعض الاتفاء ، ولكن لم ينقض الليل إلا وقد نفذ منه المطر فأغرقنى كما أغرق سائر رفاقى. وليس هذا بالخطب اليسير إذا لم يتخذ له المرء عدة من الثياب أو كان جسمه ما زال متأثرا بحر النهار.
١٩ يونيو ـ كان الصباح بديعا والطيور تشدو شدوا أطرب الركب واستخف حتى العبيد والجلابة. وبعد ساعة دخلنا سلسلة من أهم سلاسل الجبال فى هذا الجزء من النوبة ، وهى تمتد ـ كما فهمت ـ من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى مسير أربعة أيام أو خمسة على جانبى الموضع الذى دخلنا منه السلسلة. ويتفرع منها فرع يتجه صوب الشمال قرب الساحل على طول الطريق إلى القصير. وصعدنا من واد تكتنفه الصخور الوعرة من جانبيه ، وقد اعترضنا فيه الكثير من المصاعد والمهابط القائمة ، وتقطع الوديان الجبل ، وكلها حافل بالشجر والكلا. وكان الدرب مطروقا يكاد يخلو من الحجارة. وبعد ثلاث ساعات وقفنا بسهل مرتفع ضيق نما السنط فى رماله وحصبائه ، واسم الوادى أرواد (١). ووجدنا الظل الوارف تحت أشجار دوم ضخمة ، وعللنا النفس بأنا واجدون الماء فى بئر صغيرة قريبة منها ، ولكنا وجدنا البئر قد غصت بالحصى. وحفرنا على الماء طويلا فلم نستطع أن نصيب منه قدرا يكفينا ويكفى الإبل. لذلك أنزلنا الأحمال عن الدواب وصعدنا بها فى منحدر الجبل الصخرى زهاء ثلاثة أرباع الساعة حتى جئنا حوضا واسعا عميقا ملىء بماء المطر منذ العام الماضى. وحدث لى هذا الصباح حادث لم أنج منه إلا بشق النفس ، وذلك أن سواكنيا لحق بى وأنا أتقدم القافلة فاستطاع أن يضلنى عن الطريق ويسلك بى واديا جانبيا يبعد عنه نحو نصف ميل. وكان يحمل رمحه ، ولم يكن معى من سلاح سوى عصا صغيرة. ويشاء الحظ أن أعثر على فرع شجرة
__________________
(*) ليس هذا الاسم عربيا ولكنه بشارى كغيره من أسماء الأماكن التى جزناها بعد أن تركنا عطبرة.
