السابع. ولما بلغنا نهاية السهل عاودنا الصعود من واد رملى ضيق اكتسى كله بشجر السدر (١) ، ولم يبق منه مفتوحا للدرب إلا شريط ضيق يشقه فى وسطه ، وتكثر التواءات الوادى ومنعطفاته ، وعرضه فى أكثره أربعمائة ياردة تقريبا ، ولكنه يضيق فى مواضع حتى لا يجاوز المائة ، وتكتنفه من جنبيه صخور شماء براها ماء المطر وحفر فيها أخاديد عميقة. ومررنا فى الطريق بكثير من البرك ، فقلت لنفسى ما كان أغنانى عن العناء الذى كابدت فى ملء قربى ، ولكن ذلك شأن المسافر فى الصحراء ما دام غير خبير بالطريق ، أما الخبيرون بمواقع الآبار أو البرك فيكتمون علمهم هذا ويحضون الجماعة على حمل ما تطيق من الماء. ومن الأقوال المأثورة عندهم أنهم يودون لو حملوا ماء النيل برمته لو أطاقت الجمال حمله. وقد يكون حمل الماء أمرا لا بد منه ولو كانت البئر قريبة ، وذلك إذا لم يكن مقررا أن تقف القافلة بالبئر ، وفى هذه الحالة لا يخطر ببال راكب أن يتخلف وحده لملء قربته. وتنمو أشجار العشر والطرفاء فى أكثر من موضع بالوادى. ولكن أشجار السدر كانت تكسوه إلى قمته. ورددت طرفى إلى السهل الذى تركنا ، فرأيت مفازة صخرية مترامية يتحوى فيها شريط من الزرع هو الوادى الأخضر. والأرض الخصبة موفورة فى كثير من ربوع الوادى ، فحينما توفر الماء استحالت الرمال القاحلة أرضا طيبة ، وأينما سرحت البصر فى الوادى رأيت ما صنعته به السيول ، فقد حطمت جوانب الجبل وزعزعت صخوره العليا وألقتها هشيما من حوله
وبعد أن سرنا شمال الشمال الشرقى تسع ساعات ـ أنفقنا منها أربعا مصعدين فى الجبل ـ جئنا بقعة استوى فيها الوادى بعد أن بلغ ذروته ، وانبسط مدى خمسمائة ياردة ، فحططنا فيها رجالنا ، وكنا قد التقينا بعدة أسر من الهدندوة قرب برك الماء ، ولما كنا نعرفهم لصوصا مهرة فقد قر رأينا على مواصلة السير إلى هذه البقعة لأننا استبعدنا أن يتبعونا وراءها فى الغابات. وأكد لى رجل من رجالنا
__________________
(*) بين هذه الشجرة وشجرة الشربين Isrch شبه شديد ، وكثيرا ما رأيتها بالحجاز ، وهم يولدون النار بحك أغصانها الجافة بعضها ببعض.
