من السودان إلى قبر الرسول ، وكان الحجاج يجزلون له العطاء ، وأكبر ظنى أنه سيعود إلى وطنه أيسر حالا مما غادره.
وبعض التكارنة ذوو يسار ونفوذ فى وطنهم ، ولكنهم يتصعلكون فى الرحلة مخافة أن تؤذيهم مظاهر النعمة. وقد رأيت ونحن مخيمون فى السهل القريب من سواكن شابا تكروريا نائما فى بقعة منعزلة وقد جثا إلى جواره فتى آخر يهش الذباب عن وجهه. ولما تحريت الأمر علمت من الزنوج الآخرين أن الشاب ابن شيخ كبير فى دار صليح ، وأنه تلقى العلم مع الفقهاء وقام فى هذه الرحلة بجمل وخادم واحد لا غير. وفى شندى استبدل بالجمل حمارا. وتظاهر الخادم بأنه صديق ورفيق له فى الرحلة ، واختلط كلاهما بجمهور الحجاج الفقراء. وبسبب هذا الفتى وأمثاله ـ وهم قلة ـ تجد سكان البلاد التى يمر بها الحجاج يقسون ويبخلون عليهم ، فهم يحسبون كل تكرورى ملكا متنكرا من ملوك السودان الذين يتقلبون فى الذهب. وكان بكوات المماليك إبان حكمهم مصر يغدقون على التكارنة أجزل العطاء ، أما الحكومة الحاضرة فلا تبدى نحوهم عطفا يذكر ، ولا يسمح لتكرورى أن يركب مركبا بالقصير إلا إذا أدى أجرا مقررا لأصحاب المركب ، وجل المراكب ملك للحكومة. وحيثما مر الفقهاء الزنوج فى إفريقية وبلاد العرب تجد الأهالى يقبلون على التمائم التى يكتبونها ، فهى أطهر وأقدس فى نظرهم مما يكتبه سائر الحجاج. وفى القاهرة اليوم تكرورى يسكن قرب قره ميدان ، اشتهر منذ سنوات بما يكتب من تمائم ، وقد درت عليه صناعته هذه ربحا طائلا. والحجاج الزنوج على العموم قوم مجدون دءوبون ، وما دام فى إمكانهم كسب قوتهم بالعمل فهم لا يستجدون إلا نادرا
وطرق القوافل السودانية التى تراها على الخرائط من كردفان إلى دنقلة أو بربر لا يسلكها اليوم أحد. فليست هناك مواصلات مباشرة أيا كانت بين كردفان وبربر ، أما المواصلات بين كردفان ودنقلة فلم تنتظم إلا منذ وصول المماليك إلى تلك الأصقاع. وقل أن يختار الحجاج الطريق من بربر إلى سواكن لأنهم يرهبون
