لم يرضوا بأقل من ريالين أجرا لكل راكب. وقد عرض التكارنة ريالا عن الرجل منهم فأبوا ، لذلك رحلوا عن سواكن قافلين إلى التاكة ومنها يذهبون إلى مصوع وهم على ثقة من أنهم واجدون فيها من يقلهم إلى شاطىء اليمن بريال واحد ، وهو قصارى ما يستطيعون دفعه. ففى سبيل هذا الريال أزمعوا رحلة تقتضيهم على الأقل ثلاثين يوما ، وقد قدروا أن فى استطاعتهم تغطية نفقاتهم بالعمل أو الاستجداء فى مثل هذه الطريق العامرة. فأنت ترى أن المسافات والأبعاد لا حساب لها عند هؤلاء الحجاج ولا عند أهل هذه البلاد عموما ـ من البدو كانوا أو من التجار ـ فهم لا يعبأون بمشقة السفر ولا وعثائه ، وهم أقل احتفالا بالوقت أو اكتراثا لضياعة ، وهمهم الوحيد هو الكسب المباشر والقصد فى النفقة. وسأسوق إلى القارىء فى معرض الكلام عن سواكن ملاحظات أخرى عن رحلة هؤلاء الحجاج بالبحر ، وسأعود إلى هذا الموضوع عند وصف رحلتى إلى الحجاز فأذكر ما يفعل التكارنة بعد وصولهم شبه جزيرة العرب.
ولعل القارىء يدرك لأول وهلة أن ما يكتنف الرحلة من مكاره وأخطار يقضى على حياة عدد كبير من الحجاج ، فسدسهم تقريبا يلقى حتفه من جراء هذه الغيرة على الدين. وأكثر الأمراض التى تعتريهم فى الطريق ناجم عن عدم توفر الملبس لديهم ، ويهلك منهم نفر جوعا وإعياء ، ونفر آخر يقتل ، ولكن هذه الحوادث لا تفت فى عضدهم ، ولا تحولهم قيد شعرة عن هدفهم ولا تنقص من عدد من يحجون منهم كل عام ، فضحايا الرحلة إنما استشهدوا فى سبيل الله. وأكثر الحجاج من الشباب الأشداء ، ولكنك قد تجد بينهم نساء يتبعن أزواجهن إلى مناسك الحج. وكان فى الركب حاج مكفوف ـ وهو أمر لا يكاد المرء يصدقه ـ انضم إلى القافلة فى التاكة ، وكان قد غادر وطنه برقو ـ غربى دارفور ـ فى صحبة ثلاثة من رفاقه ، وكان يستعين على السير بعصا يقوده بها واحد منهم وهو يتقدمه. ورأيت هذا المكفوف يستجدى فى المسجد الحرام بمكة وفى مسجد المدينة وهو جالس على العتبة ، وكان يستدرّ عطف الحجاج وإحسانهم حين يقول لهم إنه ضرير ، ولكن نور كتاب الله وحب نبيه الكريم أضاءا روحه وهدياه السبيل
