وهذا أدعى إلى الدهشة لأنه نقيض ما ألف البدو ، فالبدوى يعنى أشد العناية بحاجات الغريب ، ويبدو أن البخل على الغريب صفة تفرد بها الهدندوة والسواكنية ، وآية ذلك أننى لم أستطع أن أحصل من القرية القريبة من دوارنا ـ وفيها تنصب السوق ـ على قطرة من الماء دون أن أؤدى ثمنها ذرة ، كذلك اضطررت فى دوارنا إلى دفع إيجار حصير لأجفف عليها شيئا من دقيق الذرة دقائق معدودات. ويشكو الحجاج الزنوج المساكين الذين يمرون بالتاكة فى طريقهم إلى مكة مر الشكوى من بخل القوم على الغرباء ، وكان بعض هؤلاء الحجاج ملمين بالدوار ونحن به ، وكانوا يطوفون فى العشية بصحافهم الخشبية فيستجدون القوم قليلا من الخبز وهم يتعشون ، فما كانون يستطيعون أن يظفروا من مائتى خيمة بما يكفى لعشائهم. وكنت ورفاقى نضطر لاستضافة اثنين منهم أو ثلاثة كل عشية. والملاحظ أنه إذا انعدم الجود والسخاء فى قوم اتسع المجال لكثير من الرذائل والدنايا. وتلك حال أهل التاكة ، فخراب الذمة يؤثر عنهم كما يؤثر البخل. والتطاحن والتناحر لا ينقطعان فى صفوفهم ، ولكنهما لا ينتهيان بالعداء السافر بل بحرب خائنة غادرة يحاول فيها الرجل أخذ عدوه على غرة والفتك به غيلة. وتراهم مدججين برماحهم وسيوفهم ودرقهم حتى فى دوارهم ، فإذا ابتعدوا عنه لا يسيرون إلا جماعة. وقد قتل مجهولون رجلين منهم فى أثناء مقامى عندهم ، ولم يكن رجال القافلة يجرءون على الخروج من الدوار إلا فى جماعات كبيرة. وكان من عادتنا فى المساء أن يلتئم شملنا فى قافلة صغيرة لنمضى إلى الآبار نملأ منها قربنا حريصين على أن يلزم بعضنا بعضا قدر الاستطاعة. والقوم لا يعتبرون الخيانة جريمة ولا عارا ، ولا يجد الرجل من الهدندوة عيبا فى المفاخرة بذمته الخربة ما دامت أعانته على نيل مأربه. وأهل التاكة ـ على ما زعم لى السواكنية ـ قوم لا يتقيدون بأيمان ولا يرتبطون بعهود ولا مواثيق. وقد يتحرجون من الحنث بيمين واحدة لا ثانى لها ، هى قول الرجل منهم «وحياة عافيتى». وقل أن يتردد أحدهم فى الفتك بصاحبه فى الطريق طمعا فى أتفه الغنيمة ما دام يرى نفسه فى مأمن. وهم يثأرون لقتلاهم ما استطاعوا إلى الثأر سبيلا. ورووا لى نبأ عادة منكرة جرت عليها قبيلة الحلنقة ـ وأصلها من الحبشة ـ فى ثأرها
