الخروج من هذا السياج فى أثناء الليل ، وهو من القوة بحيث يمتنع على السباغ التى تجوس الأرض طوال الليل ، وتملأ الفضاء بعوائها المنكر الذى يجيب عليه الكلاب من داخل المضرب بنباح متصل. ويندر أن يقتل القوم أسدا أو نمرا فى هذه الأرجاء ، فإذا فعلوا فدفاعا عن النفس ، ذلك أن الأهالى لا يعرفون من السلاح إلا السيوف والرماح (١) ، وهو لا يعينهم كثيرا على الفتك بملك الغابة الذى استطاب سكنى الإقليم فيما يبدو. ويحتفظ بعض الشيوخ بجلود الأسود فى خيامهم ، ولكنهم قلة لا تذكر. ويخيل إلى أن هذه الجلود متوسطة الحجم ، ولكن الأسد فى هذه النواحى ـ إذا صدق الهدندوة ـ قد يدانى البقرة حجما ، وكثير ما تفتك هذه الأسد بالناس. والغابات حافلة بالذئاب والغزلان والأرانب ، ويرى البدو القصص عن الأفاعى العظيمة التى قد تفترس الأفعى منها خروفا برمته. ولكن ليس بين وحوش هذه الغابات ما هو أشرس من البجاوة أنفسهم. ويقتنى هؤلاء البدو الحمير الكثيرة. ويقال إن الزراف يكثر جدا فى جبال النقيب ، وقد رأيت فى خيمة رجل من الهدندوة قطعة من جلد زرافة. والجراد كثير فى التاكة ، ويبدو أنه يتوالد فيها ثم ينتشر منها لسائر أرجاء النوبة. ولا تستطيع أرجال الجراد مهما تكثر أن تأتى على كل أخضر فى الإقليم كما تفعل أحيانا فى مصر والشام. وما رأيت منه كان أكبر حجم عرفته ، وأجنحته العليا حمراء والسفلى صفراء. ويحفل الشجر بالحمام والأسراب الكبيرة من الغربان. ولا أذكر أننى رأيت هناك طيرا زاهى الريش. ويجمع الصمغ العربى من السنط ويباع فى سواكن لتجار جدة ، ومن جدة ينقل إلى مصر ، ولكنه ردىء النوع ، ولعل هذا راجع لرطوبة التربة ، فإن أجود أنواع الصمغ يؤخذ من أجف الصحارى.
وبدو الهدندوة ـ ولم أر من أهل التاكة غيرهم ـ ينتمون إلى نفس الجنس الذى ينتمى إليه البشاريون وسائر النوبيين الشرقيين ، ولهم قسماتهم
__________________
(*) كذلك حال التجار السواكنية فهم لم يألفوا استعمال الأسلحة النارية. وقد يمر بهذا الطريق بعض العرب المسلحين بالبنادق البسيطة فى صحبة قوافل سواكن قاصدين شندى أو سنار.
