الطلب. وحين كنت بسواكن فى بيت الجابى التركى أكلت خبزا صنع من الذرة التاكية فلم يكن خبز القمح يفضله إلا قليلا. وتباع ذرة التاكة فى سوق جدة بثمن يزيد ٢٠% على الذرة المصرية ، وفى ظنى أن أهل التاكة لا يزرعون من المحاصيل غير الذرة ، اللهم إلا قليلا من البامية واللوبيا ، ولهم شغف عظيم بالبصل ، وقد أصبح ضربا من العملة يتعاملون به مع تجار سواكن ، ولكن أحدا لم يحاول زرعه فى التاكة.
وشهرة التاكة بالماشية لا تقل عن شهرتها بالذرة ، فهى تملك منها القطعان الكثيرة. وأبقارها على الأخص طيبة ، وهى ذات سنام كأبقار وادى النيل ، ويتعامل بها الناس كما يتعاملون فى دارفور وكردفان. وكان ثمن البقرة الكبيرة السمينة أربعة مقاطع دمور ، أو ستة وتسعين مدا من الذرة ، أى ما يساوى أردبين تقريبا أو ثلاثين بوشلا. وثمن البعير القوى يزيد ربع هذا. على أننى لم أر فيها من الماشية إلا قليلا لأن الفصل كان آخر فصول العام ، وهو الذى يسبق الفصل المطير مباشرة وتكون الأرض فيه جافة جرداء ، وكان القوم قد أرسلوا قطعانهم من شهور إلى الصحراء الشرقية جريا على عادتهم كل سنة ، وهناك نرعى الماشية فى الجبال والوديان الخصبة ، ويتوفر لها الماء فى العيون. فإذا انقضى الفيضان عادوا بها إلى السهول. ويتهافت الناس على إبل التاكة لأنهم يعتقدون أن أغصان السنط الغضة التى تأكلها فى الغابات تعطيها من الشدة والقوة ما لا يتاح لغيرها من الإبل التى تطعم غير هذا الغذاء. ويأخذ القوم جلد عنق الجمل الطويل بعد أن يخيطوه من جنب ويتركوه من جنبه الآخر فيستعمل غرائر يحملون فيها غلتهم فى السفر ، وشكل الغرائر ملائم جدا للتحميل. ولو لا الوحوش الضارية التى تأوى إلى الغابات وتفترس الكثير من الماشية لزاد عددها زيادة كبيرة. وأهم هذه الضوارى الأسد ، وكذلك النمر فيما يقولون ، ولكنى لا أحسب نمرهم إلا فهدا. على أن بصرى لم يقع قط على هذه الوحوش ، إلا أننى كنت أسمع زئيرها كل ليلة. وفى المساء تساق الغنم التى ترعى على مقربة من المخيم إلى ساحته الكائنة فى قلب الدوار ، وتسدّ الثغرات المفتوحة فى السياج الشوكى الذى وصفته بكوم من الشوك. ولا يجرؤ أحد على
