التاكة بالماء فى الشتاء والربيع من آبار عميقة متدفقة المياه منبثة فى أرجاء البلاد وإن تكن المسافات بينها بعيدة ، وهى مجموعات كل مجموعة منها ست ، وحولها أحواض كبيرة بنيت من اللبن لشرب الماشية ، وهى تغص طول النهار بالرعاة وقطعانهم لأنها مورد الإقليم المجاور الذى يمتد أميالا أربعة أو خمسة. والماء فى أكثر هذه الآبار ملح زعاق ، ولكن يقال إنك لا تعدم فى كل مجموعة بئرا ماؤها مقبول. ويحفرونها إلى عمق يختلف بين خمس وعشرين قدما واربعين ، ولا يبطنون جوانبها بحجارة ولا آجر
والمحصول الذى تنتجه أرض التاكة ضئيل إذا قيس بما يمكن أن تغله تربتها الخصبة التى تتمتع كل أجزائها بفيضان قلّ أن يخيب. ويبدو أن أهلها يجهلون الزراعة ، فليست لهم حقول منظمة ، وهم يبذرون حب الذرة ـ وهو غلتهم الوحيدة ـ بين الأشجار الشوكية والعشر ، بحفر ثغرات كبيرة فى الأرض يرمون فى كل ثغرة منها حفنة. فإذا ضمّوا المحصول رجع الفلاحون إلى مواشيهم يرعونها. ولعلهم لم يفكروا قط فى رى الأرض لغلة ثانية بالماء الذى يمكن أن تجده أينما حفرت عليه فى الإقليم. وليس أقل من أربعة أخماس الأرض يترك بورا. ولكن غلتهم من الذرة تكفيهم عادة وتفيض عنهم ، لذلك لم يفكروا فى العمل على زيادتها وإن كان الأهلون يقاسون الأمرين من القحط والعوز فى الفيضانات المتوسطة ، أو الشحيحة ـ ولا أقول فى الجدب التام ، لأن أحدا لا يذكر أن الفيضان امتنع فى سنة من السنين. وكان القوم هنا يبيعون ٢٤ مكيالا من الذرة بثوب من الدمور. أما فى شندى فالثوب يساوى سبعة مكاييل ، فإذا حسبت الثمن بالريال ، كان ثمن الذرة ريالا إسبانيا ، كما هو الحال فى صعيد مصر ، وهو أرخص أسواق الغلال فى الشرق بأسره (١). والذرة من أجود الأنواع ، وهى من الفصيلة التى تجدها فى الصعيد وسائر أراضى النيل. ولكن ذرة التاكة أكبر حبا وأبيض لونا وأطيب مذاقا ، لذلك يشتد عليها
__________________
(*) حين كنت بالصعيد كان ثمن الأردب من أجود القمح (ويعادل ١٥ بوشلا) * پاتكات أعنى ١١ پوشلا بريال اسبانى. وقد احتكره الباشا وباعه فى الإسكندرية بأربعين باتكا للاردب (أعنى ١١ بوشلا بثمانية ريالات).
