فدية تجاوزت مائة ألف ريال أسبانى ، ثم أعدموا الأغا قبل مغادرتهم المدينة ، بعد أن أتى جندهم على ما وقع تحت أيديهم من زاد. فلا عجب أن اجتاحت الإقليم فى أعقاب هذا النهب والسلب المجاعة المروعة التى ذكرتها آنفا.
وأهل إبريم لا يفتأون فى حرب مع أمراء النوبة ، وهم على قلة عددهم أكفاء لخصومهم لأنهم جميعا يقتنون الأسلحة النارية. وهم بيض اللون إذا قيسوا بالنوبيين ، ما زالوا يحتفظون بملامح أجدادهم البشناق الذين بعثهم سليم الفاتح ليحتلوا إبريم. ولباسهم الجلباب من الكتان الخشن ، وأغلبهم يغطى رأسه بما يشبه العمامة. وهم يقولون «نحن ترك لا نوبيون». ولما كانوا لا يدينون للأغا بالخضوع المطلق ، وليس لأحد سلطان عليهم ، فقد كثر بينهم التشاحن والتناحر. ولهم قاض بلى وظيفته بالوراثة. ويثأرون من القاتل بقتله ، وإذا أدى العدوان إلى الموت فلا سبيل إلى قبول دية الدم ، أما إذا أدى إلى الأصابة بجراح فهناك غرامات مقررة على كل إصابة تتفاوت بتفاوت الأعضاء المصابة. ومثل هذا القانون منتشر بين بدو الشام. وإذا تزوج تركى من أتراك إبريم أهدى عروسه ثوب العرس وسندا بثلاثمائة قرش أو أربعمائة يؤدى لها نصفها إذا طلقها. على أن حوادث الطلاق بينهم نادرة جدا. وفى العرس ينحر العريس بقرة أو عجلا ، فإذا نحر كبشا كان ذلك فضيحة الفضائح.
ولست أذكر فى كل ما طفت به من بلاد الشرق بلدا كإبريم يطمئن فيه الناس على ما لهم ويأمنون عليه من السرقة. فالأهالى يتركون الذرة ليلا فى الحقول أكواما بلا حارس ، وماشيتهم ترعى الكلأ على ضفة النهر دون راع يرعاها ، وخير أثاث البيت يبيت الليل كله تحت النخل المحيط بالمنزل. وقد أجمع أهل الإقليم على القول بأن السرقة رذيلة لا يعرفها إقليمهم. ويجدر بى أن أضيف أن النوبيين فى جملتهم لم تلوثهم هذه الرذيلة.
وعبرنا الجبل من إبريم ، وبعد مسيرة ساعة هبطنا ضفة النهر عند وادى الشباك ، وهى القرية التى لجأ إليها أكثر أهل إبريم بعد أن اجتاح المماليك واديهم.
