وبتنا ليلتنا هنا فى بيت لأبناء الأغا الذى قتله المماليك. وكنت أينما حططت أرى الفلاحين يجتمعون فى المساء عند البيت ، فكنت أزعم لهم أننى قادم فى مهمة رسمية تتصل بالأميرين النوبيين المقيمين جنوبى سكوت ، ولما كنت فى صحبة رجل معروف بصلته بأسرة كاشف فإن أحدا لم يجرؤ على عرقلة رحلتى. والواقع أنه لا خوف من الفلاحين على المسافرين فى النوبة ، وهم خليقون بأن يطمئنوا إلى نواياهم بوجه عام ، وإذا كان هناك خطر عليهم فمصدره جشع الحكام وشرههم للمال.
٤ مارس ـ يمتد حرج النخل جنوبى الشباك. وقد وجدت كثيرا من البيوت مهجورا ، وفى كل خطوة كنت أصادف قبورا منبثة. ويضع النوبيون بجانب كل قبر إناء من خزف يملؤونه ماء فى اللحظة التى يلحد فيها الميت وبتركونه هناك. أما القبر فيغطونه بحصى صغير مختلف الألوان ، وفى كل طرف من طرفيه يغرسون سعفتين كبيرتين من سعف النخل ، وهكذا أصبح رمزا لانتصار رمزا للموت عند النوبيين. وتقوم إلى جوار الشباك أكوام من أحجار منحوتة هى أطلال بناء قديم. وبعد ساعة من إبريم بلغنا وادى بستان. والأرض الصالحة للزراعة هنا ضيقة جدا. ويبعد الجبل الشرقى مسيرة ساعة تقريبا ، وبينه وبين السهل ربوة تكسوها الحجارة الرملية المفككة. وشكل الجبال المنعزلة التى يتألف منها هذا القسم من السلسلة يسترعى الأنظار ، فمعظمها شبيه بالمخروط قد استوى عند القمة أو بالهرم الكامل. وإذا رأيتها من بعيد بدت لك منتظمة جدا حتى لتخالها من صنع الإنسان. وبعد مسيرة ساعتين بلغنا قرية توشكى ، وهى الحد الجنوبى لوادى إبريم. وفى السهل الصخرى إلى الشرق من توشكى تقوم صخرة منعزلة مهشمة نحتت فيها عدة قبور تحملها من الداخل أعمدة مربعة قصيرة وفى أحد هذه القبور دهليز مقبب يؤدى إلى مدخل خلفى. وصناعة هذه القبور بدائية خشنة ، وليس على جدرانها من نقوش سوى رسم الصليب. وبقرب الصخرة تلال عديدة من النقارة. ومن عجب أن تكون هذه القبور هى الوحيدة التى يصادفها المسافر فى التلال الشرقية من أسوان إلى
