بعد رجوعه. وكان طريقنا يحاذى حرجا من النخيل وصفا من البيوت لم ينقطع مسيرة ساعتين. ثم ألفينا الصخور الرأسية تكتنف النهر حتى تلاصقه. وقد لمحت وأنا فى أسفل الجبل مدخل حجرة منحوتة فى الصخر على ارتفاع ستين قدما أو ثمانين ، ولكنى لم أجد سبيلا لبلوغ هذا المدخل ، فالصخرة هناك رأسية ، وقد رأيت مثل هذا قبورا منحوتة فى صخرة وادى موسى فى إقليم البطراء ، لا يمكن بلوغها إلا إذا ارتقى المرء سلما طوله أربعون قدما أو خمسون. وبلغنا حصن ابريم بعد ساعتين ونصف ، وقد أصبح الآن خرابا يبابا ، فقد اعتصم به المماليك فى العام الماضى حين حوصروا ، ثم حاصروا بدورهم جند إبراهيم بك ، وفى غضون هذه العمليات الحربية ضربت الأسوار بالمدافع القليلة التى وجدت فى الحصن ، ودك كثير من بيوت القرية دكا.
وتقوم إبريم على ربوة صخرية منعزلة تشرف على النهر ، ويحيط بها جبال جرداء لا تصلح لزرع ولا لحرث. وعلى قمة هذه الجبال كثير من مقابر أولياء الأتراك القديمة. والبيوت مبنية بالحجر الرملى ، ومثلها السور الحديث الذى يكتنف المدينة. وعلى الجانب الغربى أطلال تخلفت من السور الأثرى المبنى يأحجار صغيرة منحوتة لحمت بغاية الدقة والعناية ، ويبدو أن السورشيد فى عصر الدولة الحديثة. وفى نطاق المدينة خرائب بنائين من الأبنية العامة ، ولعلهما كنسيتان إغريقيتان بنيتا على طراز السور القديم. ويدور المرء حول الحصن فى نحو خمس عشرة دقيقة ، ولم أجد فيه من الآثار القديمة سوى عمود صغير من الجرانيت الأشهب.
وحصن إبريم والإقليم الذى يتبعه ، والذى يبدأ جنوبى الدر بنصف ساعة وينتهى عند توشكى ـ ملك لأغا إبريم ، وهو مستقل عن أمراء النوبة ، ولما كان الأهالى معفين من دفع الضرائب سواء لهؤلاء الأمراء أو للأغا نفسه ، فقد استطاعوا بمضى الزمن أن يقتنوا من بيع بلحهم عاما بعد عام ثروة طائلة من النقود والماشية. ولكن المماليك أتوا فى أسابيع قليلة على كدّ قرن من الزمان ، وذلك فى أثناء تقهقرهم فى العام الماضى. فقد أخذوا من وادى إبريم نحو ألف ومائتى بقرة ، واستولوا على جميع ما فيه من غنم وماعز ، وأودعوا السجن وجوه إبريم وسراتها ، وأخذوا منهم
