(٩) إنّه تعالى يذكر هذا الضلال جزأ لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليهم ، فلو كان المراد ما هم عليه من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديدا بأمر هم له ملابسون ، وعليه مقبلون ، وبه ملتذّون ومغتبطون ، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا ، وبشرب الخمر على شرب الخمر ، وهذا لا يجوز.
(١٠) إنّ قوله تعالى (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ)(١) صريح في أنّه تعالى إنّما يفعل بهذا الأفعال بعد أن صار هو من الفاسقين الناقضين لعهد الله باختيار نفسه فدلّ ذلك على أنّ هذا الإضلال الذي يحصل بعد صيرورته فاسقا وناقضا للعهد مغاير لفسقه ونقضه.
(١١) إنّه تعالى فسّر الإضلال المنسوب إليه في كتابه إمّا بكونه ابتلاء وامتحانا أو بكونه عقوبة ونكالا ، فقال في الابتلاء : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي امتحانا ـ إلى أن قال : ـ (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ)(٢) فبيّن أنّ ضلاله للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلا متشابها لا يعرف حقيقة الغرض فيه والضلال به هو الذي لا يقف على المقصود ، ولا يفكّر في وجه الحكمة فيه بل يتمسّك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال الله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ)(٣).
وأمّا العقوبة والنكال فكقوله تعالى : (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ) إلى أن قال : (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ)(٤) فبيّن أنّ إضلاله لا يعدو أحد هذين
__________________
(١) البقرة : ٢٦ ـ ٢٧.
(٢) المدّثّر : ٣١.
(٣) آل عمران : ٧.
(٤) غافر : ٧١ ـ ٧٤.
![مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء [ ج ٣ ] مآثر الكبراء في تأريخ سامرّاء](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2372_maaser-alkobra-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
