الهندسة بالنقل عما عثروا عليه بادئ بدء ولا سيما عن الآثار البيزنطية ، فكانوا يخشون أول أمرهم ثم أخذوا يجرأون فيعدلون ما يريدون احتذاءه بل يخترعون ويبدعون ، فظهر لهم علم جديد مستقل على غير مثال ، قال : ولا نعلم هل كان للعرب قبل الإسلام طرز من البناء الخاص بهم ، لأنه لم يبق من الزمن السابق للإسلام سوى خرائب مبعثرة ، ومن الهجرة إلى القرن العاشر كان عهد الطرز اليوناني العربي ، وعلى مثاله جاء بناء المسجد الأقصى في القدس ، والجامع الأموي في دمشق ، والجامع الأعظم في قرطبة ، والتأثيرات اليونانية ظاهرة فيها ا ه.
وبعد أن ترجم العرب كتب الفنون والصناعات عن الروم والفرس والقبط والسريان والهند ، منذ أول النصف الثاني من القرن الأول ، أخذوا يزينون كتبهم ببعض الصور ، يصورونها لتمثيل المسائل العلمية للأبصار ، ولا سيما كتب النبات والبيطرة والحيوان والجراحة والهندسة والفلك والجغرافيا وبعض كتب الأدب والمحاضرات والمقامات ، فاستعملوها بحسب الحاجة وأجادوا بالنسبة لعصورهم ، على ما ثبت ذلك بشهادة المحفوظ من مخطوطات العرب في متاحف الشرق والغرب ، وأكثر من أثر عنهم التصوير والإجادة فيه وصنع التماثيل ووضعها في قصورهم خلفاء بني أمية في الأندلس ، ومن جاء بعدهم من الملوك ، والصور ـ كما قال ابن أيي أصيبعة ـ إنما جعلت لارتياح القلوب إليها واشتياق النظر إلى رؤيتها ، والصبيان يلازمون بيوت الصور للتأديب بسبب الصور التي فيها ، وكذلك نقشت اليهود هياكلها ، وصورت النصارى كنائسها وبيعها ، وزوق المسلمون مساجدهم.
نعم زوّق المسلمون مساجدهم ، وكانوا أوائل الإسلام يكتفون بالصلاة في مساجد أشبه بالأرض القفراء ، ويفضلون السجود على الحصا ويعدون فرشها بالبواري بدعة ، وذلك لئلا تشتغل العين بشيء يبعد النفس من الخشوع لبارئها ، ثم أخذوا يتأنقون في مساجدهم ، ويفرشونها بالطنافس والزرابيّ ، ويصورون حيطانها ، وينقشون فيها آيات ثم مشجرات وأماكن جميلة ، ومعظم ما انتهى إلينا أو بلغنا خبره في العصور العشرة الأخيرة في الشام تصوير المسائل العلمية ، والأمصار والأشجار ، والسفن تمخر في البحار ، ثم تصوير الحيوان والإنسان ولكن على قلة.
![خطط الشام [ ج ٤ ] خطط الشام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2282_khetatol-alsham-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
