|
قيل تصحيفه ولكن إذا ما |
|
عكسوه يصير لي ثلثاه (١) |
قال المسعودي : وتزعم الهنود أنّ كلّ ذي لسان فأصل لسانه إلى داخل وطرفه إلى خارج ، إلّا الفيل فإن طرف لسانه إلى داخل وأصله إلى خارج. قالوا : ولولا أن لسانه مقلوب ثم لقّن الكلام لتكلّم. والهند تشرفه وتفضّله على سائر الحيوانات لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة ، من علوّ سمكه ، وعظم جثّته ، وبديع منظره ، وطول خرطومه ، وسعة أذنه ، وطول عمره ، وثقل جسمه ، وخفّة وطئه ، وقلّة اكتراثه لما يوضع على ظهره. وإنّه مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة يمرّ بالإنسان فلا يحسّ بوطئه ، ولا يشعر به حتى يغشاه لحسن خطوه واستقامة مشيه. وهو إذا اغتلم كثر شرّه وصعبت رياضته ، وربّما قتل كلّ من يلقاه في حال اغتلامه. وفيه من الفهم ما يقبل التأديب ، ويفعل ما يأمره به سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب. وهو ذو حقد شديد ، ربّما تعرّض لمن سبّه في وجهه.
قلت : ولقد أخبرني شخص أن فيلا صغيرا وقف على دكان خيّاط وعبث به فغرز الخياط الابرة في خرطومه ، فتركه ومضى ثم عاد إليه وقد ملأ خرطومه وحلا فنفخ به في دكان الخياط ، فأتلف عليه ما أصاب من الثياب ، وهذا من غريب ما يحكى عن فهمه وفطنته وشدّة حقده (٢). وحكى أرسطو : أن فيلا ظهر أنّ عمره أربعمائة سنة ، واعتبر ذلك بالوسم. وإذا دخلت البعوضة أذن الفيل قتلته ، فهو لم يزل يذبّ عن أذنه ليلا ونهارا. وما أحسن قول أبي الفتح البستي (*) :
__________________
(١) (قيل) تصحيف (فيل) ، وثلثا كلمة فيل المعكوسة (لي).
(٢) رأيت فيلا ضخما ـ في حديقة للحيوانات بطهران ـ يروح ويجيء ضمن دائرة ليست بالكبيرة وبالقرب منه حفرة فيها ماء قذر. وكان إلى جنبي رجل إيراني كهل حسن الهيئة فوكز الفيل في مؤخره بعصا مدببة كانت بيده فلم يلتفت الفيل ، ولكنه غمس خرطومه بذلك الماء. ولما عاد متجها إلينا رفع خرطومه وأفرغ ما فيه على صاحب العصا فغمره بالوحل من قمّة رأسه إلى قدميه.
