فنزل أنطاكية في غرة شهر رمضان فخرج إليه جماعة من أهلها يطلبون الأمان ، وشرطوا شروطا لم يجب إليها ، وزحف عليها فملكها يوم السبت رابع الشهر ، ورتب على أبوابها من الأمراء جماعة لئلا يخرج أحد من الحرافشة بشيء من النهب ، ومن وجد معه شيء أخذ منه ، فجمع منه ما أمكن ، وفرق على الأمراء ، والأجناد بحسب مراتبهم ، وحصر من قتل فيها فكانوا فوق الأربعين ألفا ، وأطلق جماعة من المسلمين كانوا فيها أسراء من حلب ، وبلدها ، وكان الأبرنس صاحبها وصاحب طرابلس ، وأنشئت كتب البشائر ، فمن ذلك مكاتبة إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان رحمهالله من إنشاء القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر مضمونها : أدام الله سعادة المجلس السامي القضائي ، ولا برح يؤثر البشائر ، حشايا المنابر ، ويجري من السرور الهاجم عيون المحابر ، ويسجد لها قلم الناظم والناثر ، ويتلقاها ببشر اذا تأمل قارئه قال : كم ترك الأول للآخر ، هذه المكاتبة تتحدث بنعمة الله التي تهلل بها وجه الايمان ، وهلل بها من أهله كل لسان ، وجاءت بحمد الله حلوة المجتبى ، حافة بالنصر من هنا ومن هنا ، وذاك بفتح أنطاكية التي لم تتطرق إليها الحوادث والخطوب ، ولا طرق حديث فتحها الأسماع ولا هجس في القلوب ، وادخرها الله لنا ليخصنا بفتحها الوجيز ، ويجعلها بابا لما يليها من بلاد الكفر نلج منه بمشيئة الله وما ذلك على الله بعزيز ، وهو أنا لما فرغنا من فتوحاتنا التي سبق بها الإعلام ، وإشاراتنا التي خصت وحصت طرابلس الشام ، ثنينا العنان إلى هذه الجهة فشاهدنا منها ما يروق النواظر ، ورأينا مدينة يجتمع داخل سورها الإنس والوحش والطائر ، للاستيطان والبادي والحاضر ، تحف بها أسوار لا يقطعها الطائف في يوم مسيرا ، ولا يدرك الناظر من أولها لها أخيرا ، وبها رجال غدوا إليها من كل حدب ينسلون ، ومن كل هضبة ينزلون ، وفي ظلال كل مطهم يتقيلون ، وكان نزولنا عليها في يوم الأربعاء غرة شهر رمضان المعظم ، فلم يكن إلا بقدر ما نزلنا إلا ورسلهم قد حضروا ليمسحوا أطراف الرضا ، ويتقاضوا من العفو أحسن
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
