وغيرها ، فتزايد استهزاؤنا به ، ثم قالا لي : لا بد أن تبصر نجمك ، فقلت له : أبصر لي ، فضرب وحسب وقال لي وأنت تحصل إمرة مائة فارس ، يعطيك هذا وأشار إلى الملك الظاهر ، فاتفق أن وقع الأمر كما قال لم يخرم منه شيء ، وهذا من عجيب الإتفاق! هذا مضمون ما حكاه لي الأمير عز الدين المذكور في خامس ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة بدمشق.
كتبغانوين مقدم عساكر التتر ، كان عظيما عندهم يعتمدون على رأيه وشجاعته وتدبيره ، وكان شجاعا بطلا مقداما مدبرا سائسا خبيرا بالحروب والحصارات ، وافتتاح الحصون والمعاقل ، والاستيلاء على الممالك وهو الذي افتتح معظم بلاد العجم ، والعراق ، وكان هولاكو ملك التتر يثق به ولا يخالفه فيما يشير إليه ، ويتبرك برأيه ، ويحكى عنه العجائب في حروبه وحصاراته ، من ذلك أنه نازل عدة حصون ، فكان إذا فتح حصنا ساق جميع من فيه من الناس إلى الحصن الذي يليه ، فإن مكنهم أهله من دخوله ضيقوا عليهم في المأكول والمشروب ، وإن منعوهم من الدخول همّ بضرب أعناقهم فيمكنوهم وإن أصروا على المنع ضرب أعناقهم ، فإذا تيسر فتح الحصن الآخر فعل كذلك إلى أن استكمل فتح سائر الحصون المقصودة ، ومن ذلك أنه نازل حصنا لا يرام وتحقق أن فيه مؤنا كثيرة ، وعدة آبار فيها من الماء قدر كفايتهم ، فقال لهم ما معناه : أما حصنكم فمنيع والمؤنة عندكم كثيرة ، لكن الماء الذي عندكم على فراغ فأنا أصابركم إلى أن يفرغ وآخذكم ، فقالوا : المياه عندنا كثيرة والذي بلغك من قلتها باطل لا حقيقة له ، وسير من ثقاتك من يبصر ذلك ، ويكشف لك حقيقته ، ويخبرك ، وكان قد هيأ عنده رماحا جوفها وملأها سما قاتلا ، وسدها عليه فسير جماعة من أصحابه وبيد كل واحد رمحا منها فكانوا يأتون إلى البئر فينزلون الرمح فيها كأنهم يخضخضون الماء ، وينفضون الرمح بقوة فتنفتح السدادة بحركة دبروها
![تاريخ دمشق [ ج ٢ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2263_tarikh-damascus-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
