وأقاموا إلى ثاني يوم من رمضان ، وكان يوما كثير الضباب ، فما أحس بهم أهل الطور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسور ، ففتح المسلمون الباب وخرج إليهم الفارس والراجل ، وقاتلوهم حتى رموهم إلى قسوم أسفل الطور ، فلما كان يوم الثلاثاء رابع رمضان طلعوا بأسرهم ، ومعهم سلم عظيم ، فرجعوا من ناحية باب دمشق ، وألصقوا السلم بالسور ، فقاتلهم المسلمون قتالا لم يجر في الإسلام مثله ، ودخلت رماح الفرنج من المرامي من كل ناحية ، فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط فأحرقه ، وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج منهم كند كبير فلما رأوه مقتولا صاحوا وبكوا وكسروا رماحهم ، واستشهد في ذلك اليوم من أبطال المسلمين بدر الدين محمد بن أبي القاسم ، وسيف الدين ابن المزربان ، وكان من الصالحين الأجواد ، وأغلق المسلمون باب الطور وجبن جماعة منهم عن القتال ، وبات الناس عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم ، وضربوا مشورة ، واتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت لا يسلمون أنفسهم لئلا يجري عليهم ما جرى على أهل عكا ، وكان في الطور أبطال المسلمين وخيار عسكر الشام ، وقال الأمير الحلبي في تلك الوقعة هذين البيتين :
|
قل للخليفة لا زالت عساكره |
|
لها إلى النصر إصدار وإيراد |
|
إن الفرنج بحصن الطور قد نزلوا |
|
لا تغفلن فحصن الطور بغداد |
وأنشدني إياها الأمير الحلبي ، وبات الناس على عزم القتال ، وأوقد الفرنج حول الطور النيران ، فلما كان وقت السحر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا ، وجاء المعظم وصعد الطور ، وبكى على بدر الدين بن أبي القاسم ، وابن المرزبان ، ومن قتل ، وأطلق المال والخلع ، وطيب قلوب الناس ، ثم اتفق العادل ، والمعظم على خراب الطور في السنة الآتية وسنذكره.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)