ودخل يوما إلى خزائنه فرأى مالا كثيرا فقال : من أين هذا؟ قال : بعث به القاضي كمال الدين (١٤) من مال الأوقاف ، فقال : ردوه إليه وقولوا له : إن رقبتي رقيقة لا أقدر على حمله غدا ، رقبتك غليظة تقدر على حمله ، قال : ونور الدين أول من بنى دار العدل بدمشق ، وسماها دار الكشف ، وسببه أن الأمراء لما قدموا دمشق اقتنوا الأملاك ، واستطالوا على الناس وخصوصا أسد الدين شيركوه ، وكثرت الشكاوى إلى القاضي ، فلم يقدر على الانتصار من أسد الدين ، فأمر ببناء دار العدل.
وأحضر أسد شيركوه أصحابه وديوانه ، وقال : إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي وحدي لينتقم مني ، وإلا فمن هو الذي يمتنع عن كمال الدين ، والله لئن أحضرت لدار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه ، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن ، ولو أتى على جميع ما في يدي ، فإن خروج أملاكي من يدي أهون من أن يراني نور الدين بعين ظالم ، ويسوي بيني وبين آحاد العوام ، ففعلوا وأرضوا الخصوم ، فجلس نور الدين في دار العدل وقال للقاضي : ما أرى أحدا يشكو من شيركوه ، فأخبره الخبر فسجد وقال : الحمد لله الذي جعل أصحابنا ينصفون من نفوسهم قبل حضورهم عندنا ، فكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل اسبوع أربعة أيام أو خمسة ، ويحضر عنده العلماء والفقهاء ، ويأمر بإزالة الحاجب والبواب ، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة ، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه.
قال : وكان نور الدين إذا حضر الحرب شد تركاشين وحمل قوسين وساس الحرب بنفسه فقال له القطب النيسابوري : لا تخاطر بنفسك فأنت عماد الاسلام والمسلمين فلو أصبت في معركة والعياذ بالله لا يبقى من يقوم مقامك وذهبت البلاد ، فقال له : من محمود حتى يقال له هذا ، ومن حفظ البلاد قبلي إلا الله تعالى.
قال : وكان إذا مات أحد من جنده أو قتل وله ولد ، فان كان كبيرا
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)