تشعث منها ، وشروعه في التأهب للنزول على مدينة دمشق لمضايقتها ، وورد عقيب ذلك الخبر برحيله عنها في العسكر ، ونزوله في البقاع في شهر ربيع الأول منها ، وأنفذ رسوله إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري ابن أتابك صاحبها ، في التماس تسليم البلد إليه ، ويعوض عنه بما يقع الاختيار والاقتراح عليه ، فلم يجب إلى ما رغب فيه ، فرحل عن البقاع ، ونزل على داريا ظاهر دمشق في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر منها ، وكان عند نزوله على داريا قد التقت الطلائع فظفر بجماعة وانهزم الباقون إلى البلد ، وزحف بعد ذلك إلى البلد في عسكر من ناحية المصلى في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ، فظفر بجماعة وافرة من أحداث البلد ، والغوطة ، وأطلق السيف فيهم ، فمنهم من مضى قتيلا وأسيرا ، ومنهم من عاد إلى البلد سالما وجريحا ، وأشرف البلد في هذا اليوم على الهلاك لو لا لطف الله تعالى ، وعاد إلى مخيمه بمن أسر بعد من قتل ، وأمسك أياما عن الحرب ، وتابع المراسلة والتلطف في تسليم البلد ، وأخذ العوض عنه بعلبك وحمص ، وما يقترح معهما ، فآثر جمال الدين محمد بن تاج الملوك الدخول في هذا الأمر ، لما فيه من الصلاح وحقن الدماء ، وعمارة الأعمال ، وسكون الدهماء ، وأباه عند الاستشارة فيه ، وجعل يزحف بعسكره في أيام متفرقة ، بحيث لم يصدق في القتال ، ولا بالغ في التضييق والنزال ، إشفاقا من سفك الدماء ، كالكاف المسالم ، والمتأني في الوقائع والمغانم ، وابتدأ بجمال الدين (١٤٨ و) محمد ابن تاج الملوك مرض اتصل به في جمادى الأولى من السنة ، فصار يخف تارة ، ويثقل ويمضي ويعود ويقل ويزيد إلى أن اشتد به اشتدادا ، وقع اليأس معه منه ، ولم يكن له فيه طب ولا راق ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن قضى محتوم نحبه ، وصار إلى رحمة ربه في ليلة الجمعة الثامن من شعبان منها ، في الوقت الذي أصيب فيه أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك رحمهماالله ، فعجب الناس من ذلك ، واتفاق الوقت والساعة ، وسبحوا الله وقدسوه ، وجهز ودفن في تربة جدته بالفراديس.
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)