وفي يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها ، جمع تاج الملوك جماعة من الأمراء والمقدمين والخواص ، وأعيان الأجناد والكتاب والفقهاء وأماثل الرعية ، في مجلسه ، وقال لهم : إنني قد انتهت بي الحال بسبب هذا الجرح الذي قد طال ألمه ، وتعذر اندماله ، ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر المقضي الذي لا بد منه ولا مندوحة للخلق عنه ، وقد يئست من روح الحياة ، واستشعرت قرب الوفاة ، وهذا ولدي أبو الفتح اسماعيل قد لاحت لي منه أمارة الشهامة والنجابة ، وبانت لي فيه مخايل الكفاية واللبابة ، وهو أكبر ولدي ، والمرجو لسد ثلمة فقدي ، وقد رأيت أن أجعله ولي عهدي ، والمرشح لتولي الأمر بعدي ، ثقة بسداده ، وحسن تأتيه مع حداثة سنه ، وحميد اقتصاده ، فإن سلك منهاج الخير ، واقتفاه ، وقصد سبيل العدل والإنصاف ، وتوخاه ، فذاك المراد منه ، والمأمول فيه ، وإن عدل عن المطلوب المشار إليه ، وخالف (١٢٧ ظ) الأمر المنصوص عليه ، كان المعول عليكم في تنبهه من نومته ، وإيقاظه من فتور غفلته ، فإن الحازم اللبيب والسديد الأريب إذا ذكر ذكر ، وإذا نهي عن المنكر أعرض عنه واقتصر ، فقالوا : الأمر أمرك الذي لا يخالف ، ولا يعدل عنه ، والحكم حكمك ، الذي لا خروج لنا منه ، وطاعتنا لك في حياتك ، كطاعتنا لولدك بعد وفاتك ، والله يمد لك في العمر ، ويمن عليك بالعافية الشافية ، وتعجيل السلامة والبر ، فسر بمقالهم ، وشكر ما بدا منهم من الحوادث الدالة على حميد خلالهم ، ثم نص في الأمر عليه ، وأشار في ولاية العهد من بعده إليه ، وقرر معهم العمل بطاعته ، والانتهاء إلى إشارته ، وخلع عليه خلعا سنية ، تليق بمثله ، وتضاهي شرف مثله ، وركب فيها إلى داره من القلعة بين الأمراء والمقدمين
__________________
حسان بن مكتوم الكلبي من أعمال دمشق ، وانقطع منه أصحابه ، فحمل إلى دمشق ، فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار ، وكان زنكي عدوه ، فظن أنه سيهلكه ، فلما حصل في قبضته أكرمه ، وخوله المال والسلاح ، فلما ورد الخبر إلى بغداد ، بعث الخليفة ابن الأنباري ، ليتوصل في أخذه ، فلما وصل الرحبة قبض عليه أميرها بأمر زنكي ، وحمل إلى قلعة الموصل ... فلم يخلص إلا بشفاعة السلطان مسعود».
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)