وفي هذه السنة هبت بمصر ريح سوداء (١١٣ ظ) ثلاثة أيام ، فأهلكت شيئا كثيرا من الناس والحيوان.
سنة ست عشرة وخمسمائة
في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد ، بأن الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد ، جمع واحتشد ، وقصد بغداد في حشده ، وعاث في أطرافها وأفسد في أكنافها ، فخرج الإمام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة ، واجتمعت إليه الأجناد ، وظهر إليه ، وحمل
__________________
ثم وصلت إلى خدمة ملك الأبخاز ، وبقيت عنده ، وخرجت معه ، وسرت في ولايته معه مقدار نيف وسبعين يوما ، واجتاز إلى اللان وطرف الدربند وإلى ولاية الأبخاز ، ولقد وصلنا بعض الأيام في ولاية الأبخاز إلى برج واسع تحت جبل ، في قلعة شامخة ، ونزل الملك هناك ، وقال لي : يا فلان في هذه القلعة رجل أسير مستعرب من نوبة إيلغازي ، فأصعد إليه من الغد ، وأبصره واسأله من أين هو ، فعولت على ذلك وقلت : أطلبه من الملك ليطلقه ، فبت تلك الليلة ، فلما كان من وقت السحر ضرب بوق إلى الرحيل لأنه وصل إليه الخبر أن بعض ولايته قد تشوشت ، فحين وصله الخبر رحل ، ورحل الناس ، ولم يقدر لي الاجتماع بذلك الرجل ... ولما كسر نجم الدين ، وعاد بمن بقي معه ، رحل ملك الأبخاز بالغنائم والأسرى ، ونزل على تفليس ، وحاصرها مدة ، ثم هدم سورها من قبل الغرب ، ودخلها سيفا ، فأحرقها ونهبها ، وبعد ثلاثة أيام أمن أهلها ، وطيب قلوبهم ، ووعدهم بالجميل ، وأسقط عنهم تلك السنة الأعشار والمؤن ، والأقساط والخراج وشرط للمسلمين كلما أرادوه من الشرط الذي هو الآن باق بها ، أنه لا يعبر إلى جانب المسلمين بالمدينة خنزير ولا يذبح بها ولا سوقها ، وضرب لهم الدراهم وعليها اسم السلطان والخليفة في الوجه الواحد ، وفي الوجه الآخر اسم الله واسم النبي عليهالسلام ، واسمه على جانب الدرهم ، ونادى في البلد : إن من آذى مسلما قد أهدر دمه ، وشرط لهم الآذان والصلاة والقراءة ظاهرا ، وأن يخطب يوم الجمعة ويصلى ويدعى للخليفة والسلطان ، ولا يدعى لغيرهما على المنبر ، وشرط أن حمام إسماعيل بتفليس لا يدخلها كرجي ولا أرمني ولا يهودي ، ووصف خدمة الكرجي في السنة خمسة دنانير ، وخدمة اليهودي أربعة دنانير ، وخدمة المسلم ثلاثة دنانير.
وأحسن إلى المسلممين غاية الإحسان ، وجعل لأهل العلم والدين والصوفية أكرم المنازل ، وما ليس لهم عند المسلمين ، ولقد رأيت هذه الشروط كلها لما دخلت إلى تفليس في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، ولقد رأيت ملك الأبخاز ديميرطي الذي كنت في خدمته ، وقد نزل إلى تفليس ، وأقام بها أياما ، ونزل ذات يوم جمعة إلى الجامع ، وجلس على دكة تقابل الخطيب ، فوقف موضعه حتى خطب الخطيب ، وكل الناس يسمع الخطبة جميعها ، ثم خرج وأطلق برسم الجامع مائتي دينار أحمر وكنت أرى العلماء والوعاظ والأشراف والصوفية ، والذين يصلون يكرمهم ويعطيهم ويحترمهم ، ويعتمد معهم ما ليس بمثله ، ولقد كنت أرى لاحترامه للمسلمين ما لو أنهم ببغداد ما احترموا تلك الحرمة».
![تاريخ دمشق [ ج ١ ] تاريخ دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2261_kifayah-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)