وأما القصر العمادي فهو تجاه قبة النصر التي هي على ظهر جبل قاسيون ، بناها الملك العادل (١) ، ناصر الدين (٢) الذي دعا له الشيخ ابن العربي في مسامراته (٣). ودخلنا المدرسة التي بناها مقابل جامعه ، فإذا هي من أحسن المدارس إلا أنها خربة (٤).
وجبل قاسيون هذا فيه أنس ظاهر ونورانية ، يقال إن فيه دفن أنبياء كثيرون وأولياء غير قليلين ، ودخلنا المدرسة العمرية (٥) ، وفيها ثلاثمائة وست وستون حجرة.
وهي مدرسة عامرة ذات أوقاف كثيرة لا عيب فيها إلا أن العلم والتدريس مفقود بها. وأخبرني غير واحد أن في الصالحية مدارس عدد أيام السنة إلا أن أكثرها اندرس ، وأوقافها يأكلها ذوو الرتب من أهل الجهل. وزرنا ثمة في سطح الجبل المغارة الجوعية نسبة إلى الجوع ، قيل : إنه مات فيها أنبياء من الجوع ، والحاصل أن الصالحية جنة من جنان الدنيا.
__________________
(١) الملك العادل محمد بن أيوب بن شادي ، أخو السلطان صلاح الدين من كبار سلاطين الدولة الأيوبية توفي سنة ٦١٥ ه / ١٢١٨ م ، وهو غير ناصر الدين الباني لهذه القبة.
(٢) هو الملك الظاهر برقوق بن أنس المتوفى سنة ٨٠١ ه / ١٣٩٨ م ، وربما جاءت تسميته بالناصر من النصر الذي حقق على خصمه علي بن سوار ، فعرفت القبة بقبة النصر ، قال محمد بن عيسى الصالحي الدمشقي هو مكان نزه جدا ، لا أعلى منه ، وهي قبة لها ثلاثة أبواب وشباكان ، بينهما محراب مكتوب عليه (الله حسبنا ، أنشأها الملك الناصر رحمهالله) ترى جميع الشام وضواحيها والأنهار كخيوط الفضة ويتعجبون من زيادة العلو والإشراف ، ولها ثلاثة طرق يصعد إليها منها (المواكب الإسلامية ، تحقيق حكمت إسماعيل دمشق ١٩٩٣ ، ج ١ ص ٣٧٤). وقد تهدمت هذه القبة سنة ١١٧٢ ه (البديري الحلاق : حوادث دمشق ص ٢٢٣) ثم أزيلت آثارها سنة ١٩٤١ م.
(٣) تقدمت الإشارة إلى أن هذا الكتاب منسوب إلى ابن عربي ، وقد ألفه بعض المتأخرين.
(٤) وفي هذه المدرسة مدفن العادل ، وهي اليوم دار مجمع اللغة العربية بدمشق ينظر النعيمي : الدارس في تاريخ المدارس ج ٢ ص ٢٦٦.
(٥) هي المدرسة العمرية الشيخية ، أنشأها الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي سنة ٦٠٧ ه / ١٢١٠ م ، وكانت من أشهر مدارس دمشق ، إلا أنها أهملت وتخربت ، النعيمي ، الدارس ج ٢ ص ١٠٠ والصالحي : المواكب الإسلامية ج ١ ص ٢٤٩
