فهذا الذي رأيته في ديوانه ، وليس هذا بمفسد لحجة سيبويه ، لأنه لم ينقل هذه الشواهد من الدواوين إنما سمعها والعرب بعضهم ينشد شعر بعض ، فإذا غيّر هذا عربي يحتج بقوله ؛ صار كأنه هو القائل ، وليس يجوز أن يفعل مثل هذا رجل عالم ، لأن سيبويه قد لقى من قوله حجة ، ولم يأخذ من الصحف ، فإذا سمع من يجوز أن يكون عنده حجة في كلامه نقل عنه ، وإن لم يره أهلا لذلك تركه ، وقد أنكر بعض النحويين إنشاد سيبويه هذا البيت وقال : إنما هو :
إنك يا معاوي (١) ابن الأفضل
فأثبت الياء في (معاوي) ولم يحذف منه إلا الهاء ، وجعل (ابن الأفضل) وصفه. فيقال له : لو جاءت رواية بما ذكرت ، لم يمتنع من قبولها. والذي يرويه سيبويه إنما تبيّنه بعد أن فهمه عمن أخذه عنه ، ولا ينكر جواز ما قال هذا القائل لو كانت الرواية جاءت به ، فإن قال : فأنا أنكره ولا أنسب سيبويه إلى تهمة ووضع رواية ، وسيبويه سمع هذا البيت ينشد فظن أن الياء التي هي من حروف (معاوي) منفصلة عنه وأنها الياء من (يا) ولا يمكنكم أن تقولوا إن الذي سمعه سيبويه ينشد قال لسيبويه : أنا أريد (يا معاو) بلا ياء ، وأنادي نداء آخر فأقول : يابن الأفضل.
قيل له : إذا كان سيبويه سمع هذا البيت ينشد ، ولفظه يحتمل أمرين : أحدهما ما قاله سيبويه ، والآخر ما زعمت ، ورأينا لما قلته نظيرا في / كلام ، ورأينا لما قاله نظيرا ، لم نعمد إلى قول سيبويه فنرده ، والشعر يحتمله. وأقل الأحوال أن يكونا وجهين في الإنشاد.
__________________
(١) الشاهد عند سيبويه (معاو) بحذف الهاء والياء. وورد كذلك عند : النحاس ٧٨ / أوالأعلم ١ / ٣٣٤ والكوفي ٢٠٨ / ب والبيت عند النحاس : (إنك يا معاو إبن الأفضل) وبذلك نفي احتمال وجود الياء في (معاوي).
![شرح أبيات سيبويه [ ج ١ ] شرح أبيات سيبويه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2243_sharh-abyat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
