كأنه لما وقف على الرّبع وتذكر من كان يحلّه ، عاوده حزنه على مفارقتهم ، وألم قلبه لمّا تذكرهم. وسوئل الربع عنهم لو يبين لنا السؤالا ، أراد : لو يبين لنا جواب السؤال ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقد نغنى بها : أي بهذه الدار ، والعصور : جمع عصر ، والخرد : جمع خريدة وهي الحييّة ، والخدال : جمع خدلة وهي التي على قصبها لحم وشحم ، ويقتدننا ويقدننا بمعنى واحد ، أي قد كنا عصورا في هذه الدار نتّبع الهوى ويقتادنا الحسان الخرد الخدال.
فأما (نرى) فالوجه أن يكون من رؤية القلب ، ويكون (الخرد) المفعول الأول و (يقتدننا) في موضع المفعول الثاني. فإن قال قائل : قد أجاز النحويون إعمال الثاني في هذا الشعر ـ وإن كان لا يسوغ في الإنشاد ـ على التقدير فقالوا : لو أعمل الثاني لقال : وقد نغنى بها ونرى عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال.
فإذا أجازوا هذا ف (نرى) أين مفعولاها؟ قيل له : يجوز أن يكون المفعول الأول ضمير الأمر والشأن ، وحذفه ، كأنه قال : ونراه عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال ، أي نرى الأمر.
ومثله مما ذكر سيبويه : (إنّ بك زيد مأخوذ) على معنى : إنه بك زيد مأخوذ. ويجوز أن يكون (عصورا) المفعول الأول ، والجملة التي بعد (عصور) في موضع المفعول الثاني ، ويعود إلى (عصور) من الجملة التي هي المفعول ـ الضمير المتصل بالباء ، وكأنه قال : ونعلم عصورا في هذه الدار بها ـ أي بالعصور ـ تقتادنا الخرد الخدال.
ومعنى (نغنى) نقيم ، أي : وقد نقيم بهذه الدار.
![شرح أبيات سيبويه [ ج ١ ] شرح أبيات سيبويه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2243_sharh-abyat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
