أحسن جزاء فمنهم من تكرم علينا بالشعير والطعام واللحم ومنهم من أتى برؤوس من الضأن.
حاصله أنهم أهل كرم وود ومحبة واعتقاد زائد وأحوال صادقة وواردات ظاهرة ومواجد عظيمة بينة يظن الإنسان أن الخير مقصور على هذه الزاوية وهي بلدة ذات فواكه وأشجار ومزارع وعمارة كبيرة لا تحيط به العبارة وتقصر عليه الإشارة أفاض الله علينا بركة أهلها بمنه وكرمه ثم تلاحقنا بالركب فلم ندركه إلا عند العشاء وذلك مع أصحابنا من طرابلس وإخواننا من الزاوية حتى امتلأت الخيمة فلم تتسع لهم بل باتوا خارجها فأطعمنا الجميع بفضل الله تعالى وبتنا هناك معهم خير مبيت إلى الصباح فظعنا والأصحاب معنا إلى الضحى الأعلى فاستودعناهم الله واستودعونا كذلك فلما حان الانفصال وتقارب الرجوع والانتقال [تكدر القلب وتغير وحزن فأصابه قلق والله كادت الروح أن تزهق وهي تطير](١) وإنما مسكهما قفص البدن فلو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الزمان فعند ذلك تألمت (٢) الأجباح ، وبدا منا البكاء والصياح ، فلم يبق شيء لدى الفراق من أنواع الأرباح ، فعزت النفوس أن تذهب مغربة وكذا أنفسهم جمحت أن تذهب مشرقة فامتنع الجميع من المطاوعة أن تكون مفارقة فغربت شمس الاجتماع ، وكسف نور المشاهدة والانتفاع ، وإنما أقبل ليل البين وظلمة الأقصاء والانقطاع ، تتجافى جنوبنا عن مضاجع الأنس وضاقت بنا الوحشة (٣) في جميع البقاع ، فربما أصيب البعض منا بالمرض ، وبرهة من الزمن متصل بالقبض ، هذا وإن الركب قد ذهب علينا وغاب عنا ونحن في التوديع فنرجع إلى ما كنا بصدده ثم بعد الفراق ذهبنا نلحق الركب فلم نلحقه إلا قرب الزوال فمررنا
__________________
(١) ما بين القوسين ساقط في نسخة وفيها عوضه وفقدت الروح الاصبطار.
(٢) في ثلاث نسخ تمالت.
(٣) في نسخة النفوس.
![الرحلة الورثيلانيّة [ ج ٢ ] الرحلة الورثيلانيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2203_alrehlatel-alversilania-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
