سبحان من أوقف العباد ، فيما أراد ، فمن نظر إلى الشريعة أعترض ، ومن نظر إلى الحقيقة سلم وفوض ، فمن أراد الجمع بينهما فليقم بالسنة والشريعة ظاهرا بلسانه إن كان عالما أو بيده إن كان سلطانا ويسلم بقلبه لعلم الله بالواقع والحقيقة فالاعتقاد بالقلب ولاية ، والانتقاد به جناية ، إذ لو كشف عن نور المؤمن العاصي لملا ما بين الخافقين وأحرق ما بين السماء والأرض فكيف بالمؤمن المطيع حاصله قد عز الطبيب الرباني ، وذو الترياق الفرادني ، بل قد أنعدم رأسا وإلا فالمؤمن لأخيه كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وهذا الباب واسع المجال ، رحب المقال ، كثير التفعل والانفعال ، فلا يسلم منه إلا أقل القليل ، بفضل الوهاب الرحيم الرب الجليل.
ثم مررنا بالزاوية الغربية وهي بلدة عظيمة قد جمعت ووعت أجناس الخلق وأصنافه من العرب وأولاد الترك وقبائل شتى فلما فسد رأيهم وتقوى فيهم الإهمال وضعف فيهم حكم السلطان اضطرمت فيهم الفتنة وعظم فيهم الهرج وصاروا إلى القتال انقسمت عليهم الأعراب أو أن السلطان رأى لهم ذلك لأن فيهم العمال والقواد وأرباب الدولة وهذه البلدة (١) كثيرة النخل واسعة الأطراف قوية (٢) الأكناف وقد كثر فيها أهل الخير من الصالحين أهل الإنصاف الأحياء والأموات ينبت فيها الصالحون كالشجر فلا تجد ناحية إلا وفيها فقراء والمزارات بحيث إن كل ناحية تجد فيها مزارا حيا أو ميتا فإن عليهم سيمة وعلامة تعرفهم بسيماهم وذلك معلوم بالضرورة وقد ودعنا جماعة من أصحابنا من طرابلس وبقيت معنا جماعة منهم كالأخ في الله سيدي محمد الشريف وأصحابه ثم تلاقينا عند صلاة الظهر بجماعة من المحبين وجم غفير من الصالحين ومن العلماء العاملين وجماعة من عامة المؤمنين كلهم راغبون في الخير ومشتاقون إلينا فإنهم وقفوا معنا وقوفا عظيما وقياما لائقا جزاهم الله عنا
__________________
(١) في ثلاث نسخ الدولة.
(٢) في نسخة قريبة.
![الرحلة الورثيلانيّة [ ج ٢ ] الرحلة الورثيلانيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2203_alrehlatel-alversilania-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
