له أنه أعطاك وسألت له القطران فقال لي هذا جزاؤه فأعرضت عنه وذهبت وتعجبت من كلامه.
نعم فهمته على ظاهره ثم قلت في نفسي هذا سر من أسرار الله تعالى فلا يليق حمل كلامه على مقتضى الظاهر ففتح لي بعد ذلك أن المراد بالقطران الدنيا فكأنه قال اللهم شبعه منها حتى تتسع اتساعا يليق بمثله ولذا قال جزاؤه على أني رأيت عم أبي المقبل على الله بشراشرة (١) وكان يحبني في صغري ويتوسم في الخير العظيم ولم يمت حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرارا فقال لي أن الله أورثك سر هذا السيد فقلت له وكذا ماله فقال لا ففهمت أن كل من كان من آله صلى الله عليه وسلم يرزق كفافا لا وسعا ومال هذا السيد يكاد أن يكون مال عبد الرحمن بن عوف لأنه من الفيض وليس بكسبي أصلا فأسأل عن ذلك عالما بحقيقة أمره ولا بنبئك مثل خبير.
انعطاف ورجوع إلى ما كنا بصدده فأنه لما ظعنا من الجبل فارقنا الركب في جماعة من الفضلاء وثلاثة من العلماء وغيرهم من الشرفاء فتوجهنا نحو مسلاتة وهو وطن مشتمل على قرى كثيرة متفرقة وعلى زيتون عظيم لا تكاد تكون بلدة مثله فيه وزيتونه كثير الشجر عظيم الخلقة وعند كل شجرة حفرة عظيمة يجتمع فيها الماء في الشتاء ليشرب منه وما ذهب بنا إليه إلا أخونا في الله سيدي محمد الشريف فإن ملكه هناك ودار نزوله هناك في إبانه وله معصرة أيضا فيه وكذا إخوانه الشرفاء النوفليون لهم أملاك هناك وكذلك أولاد بلغيث الشريف وأما سكناهم ففي المنشية التي هي خارج باب مدينة طرابلس فوصلنا إلى هذه البلدة عند الزوال أو قربه بسويعات وبتنا فيها خير مبيت وإنهم أكرمونا غاية الإكرام فلما أصبحنا بخير الصباح انفصلنا عنهم مع شكرهم وحمد صنيعهم عمرهم الله إلى يوم القيامة فذهبوا معنا مدة ثم رجعوا عنا
__________________
(١) في نسخة بشراثره.
![الرحلة الورثيلانيّة [ ج ٢ ] الرحلة الورثيلانيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2203_alrehlatel-alversilania-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
