البلدة قد نظر إليها الحق وقال لها كوني دكا (١) وأنا لا أقدر أن أعمر ما أذن الله في خرابه فانصرفوا عنه.
قال أبو سالم لقد نظر هذا الملك نظرة عارف وغاص بفكره الفائق في دقائق حكمة الله تعالى الجارية في مملكته فكأنه نظر إلى ما اشتملت عليه هذه المدينة من المرافق الدنيوية واكتنفها من أسباب العمران مع توسطها في الممالك الإسلامية وجمعها بين الأسباب البرية والبحرية والأجناس البدوية والحضرية فبابها الشرقي متصل بأرياف مصر التي هي مزرعة الدنيا التي لا نظير لها وبابها الغربي متصل ببادية برقة الفاصلة بين بلاد المشرق والمغرب فلا بادية في الدنيا تدانيها في اتساع الأقطار وطيب المرعى وصحة الهواء وبابها البحري مقابل لأرض الروم التي تجلب منها البضائع النفيسة فإذا كانت بهذه الحيثية فأسباب العمران متوفرة بها فلا موجب لخرابها إلا إرادة الحق ونظره إليها بعين الجلال لتكبرها واستعلائها على غيرها من البلدان وحق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه وإذا كان خرابها بكلمة كن من الله فلا مطمع للعبد في عمران ما أذن الله في خرابه.
ولعمري إن هذا نظر مصيب وفكر عجيب ولا عجب في ذلك فإن السلطان سليم رحمه الله كان معروفا بإصابة الرأي وثقابة الذهن وجودة التدبير في المملكة وبه فخمت دولة بني عثمان وهو المستولي على الممالك الشامية والمصرية والحجازية وما والاها من البلاد.
وبالجملة فهي من أمهات المدائن المذكورة في الدنيا وهي دار مملكة الديار المصرية قبل الإسلام وبها كان المقوقس الذي كان في زمانه عليه الصلاة والسلام وناهيك
__________________
(١) كذا في نسخة وفي الرحلة الناصرية وأما في الرحلة العياشية ففيها «كذا» وهو الأصوب وفي ثلاث نسخ «ددا» وفي هامش أحداها ما نصه لعله دثارا.
![الرحلة الورثيلانيّة [ ج ٢ ] الرحلة الورثيلانيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2203_alrehlatel-alversilania-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
