واختفى وتشرد فى العالم ، وأصبح ثانى فقيد قبيلة ثقيف وثالث القارظين (١) ، فلم يقف على أثر له ، وكان أبو القسم الجعدى من جملة مقترفى هذا الشر ، وجالبى هذا الضر ، وكان قائدا لجيش شمس المعالى ، فأقام عند أطراف الولاية ، وأصبح مترددا بين الخوف والرجاء ، ومنتظرا لطوارق البلاء وصواعق الفناء ، وصرف فلك المعالى النظر عن أمره حتى يعطيه الأمان ، وسلك طريق الإهمال والإمهال ، وأطلق عنان غروره بخدعة التقاتل والتهاون ، وأوقعه فى المصيدة بأساليب الإغراء والترغيب ، واعتقله فى محبسه أخذا بالقصاص منه ، وسد عليه طريق الخلاص ، ولكن أبا القاسم هرب من حبس ملك المعالى بإحدى الحيل ، وأخذ ينتقل فى أقطار العالم من مكان إلى آخر حتى حضر إلى بلاط السلطان فى نيسابور ، والتجأ إلى ذمته ، وظن أنه سوف ينجو بنفسه من كبائر ذنوبه وقبائح أفعاله فى ذلك البلاط ، وذلك بتوقيع العقود وتأكيد العهود وترابط ذات البين واتحاد مصالح الجانبين ، ولم يضع فى اعتباره أن القاتل يقتل وأن جزاء العمل السيىء أنه سوف يمسك بتلابيبه مثل الخناق ، وأن الجانى مهما طال به الزمان وطالت فترة النسيان فسوف يقع فى النهاية فى شراك البلاء وشباك العناء ، فلا غرو أن قيده السلطان وبعث به إلى الأمير منوجهر.
__________________
(١) ورد فى الأمثال للميدانى ، إذا ما القارظ العنزى آبا قال الكلبى هما قارظان ، كلاهما من عنزة ، فالأكبر منهما هو يذكر بن عنزة ، والأصغر هو رهم بن عامر خرجا ينتحيان القرظ ، فماتا ولم يرجعا ، وصار مثلا فى امتداد الغيبة ، ومنه : لا يأتيك ويؤدب القارظ (المترجم).
الميدانى ، مجمع الأمثال ، ج ١ ، ص ١٤٨ ، وانظر : محيط المحيط ، بطرس البستانى ، بيروت ، لبنان ، ١٩٧٧ ، ص ٧٢٨.
