بأن يضع يده على رأسه ويقسم فامتثل جعفر للأمر ، فقال له : لقد أمنت" ابن يحيى" من السيف والسم والشنق وما شابه ذلك ولكن لم أمنه من الدفن ، ويجب أن تحفر بئرا عميقا يزيد على خمسين قدما وتلقيه فيه حيا ثم تأتى إلىّ فمضى" جعفر" وأبعد الرقباء عنه وكان قد أمر بحفر بئر عميق وألقى بشاة فيها وقص على" ابن يحيى" حقيقة الأمر وقال له : يجب أن لا يكون لك مكان داخل ملكنا ونجاه ، فمضى ابن يحيى إلى خراسان فكان يتردد على سوق" بلخ" وكان أحد رسل البريد ويدعى مسعود والذى كان يقطع المسافة من بلخ إلى بغداد فى غضون ثلاثين يوما قد وقعت عينه عليه وأدركه السيد فى الحال ، فتوارى عنه ولم يستطع أن يعود مرة أخرى فكتب إلى الخليفة بهذا الخبر فلم يبد الخليفة أى رد فعل وكلف" عليا ابن عيسى" فى" بلخ" بالملاينة فى طلبه فمضى وتفحص عنه فعلم أنه قد نزل إلى بلاد الأتراك وكان قد لجأ إلى تلك الديار الكثير من السادة بسبب ظلم آل عباس ، فأعلم هارون فبعث برسول إلى ملك الأتراك ليسترده فقال الخاقان نحن لا نعرف هذا الرجل والكثير من السادة قد حلوا هنا فقل للخليفة بأن يرسل بشخص يعرفه فنطلبه ونسلمه له ، فلما وصل الرسول إلى الحفرة وعلم الأمر وبعث الخليفة بشخص آخر كان يعرف" ابن يحيى" وكلفه حين يصل إلى هناك أن يدبر الأمر كى لا يطلع عليه الطالبيون فلا ينقلون ابن يحيى إلى موضع آخر فكان هو نفسه يدبر هذا الأمر بحيث لا يعلم به البرامكة ، حتى وصل الرسول إلى ملك الترك فجمع جميع السادة الطالبين الذين كانوا فى تلك الديار وأخذ يتفقدهم الرسول واحدا تلو الآخر حتى وقعت عينه على ابن يحيى ، قال هذا هو من يطلبه أمير المؤمنين فأمر ملك الترك بأن يقبضوا عليه ويحضروه ، فلما اقترب منه نهض ملك الترك على قدميه ، وأجلسه بالقرب منه وقال للرسول : إنى كنت أبحث عنه أيضا وكان غرضى هو أن أحميه من جميع أهل الدنيا فانهض وامض سالما إلى الخليفة فعاد الرسول يائسا إلى الحفرة وعرض الأمر على" هارون" فوقع فى قلبه الحقد على" جعفر" وشرع فى الانتقام منه ، وكانت العادة أن يذهب الخليفة إلى بيت أخته" عباسة" كل يوم ثلاثاء ولم يكن مخلوق قط يستطيع أن يراه أو أن تصل يده إلى ما يكتب من رقاع أو يطلع على حال من أحوالهم ، وفى أحد أيام الثلاثاء جلس وحيدا فى الحراقة وكان قد أجلسنى معه هناك وقال لى اجلس ، فامتثلت للأمر ، وركعت على ركبتى ، فتفحصنى جيدا ، حتى ثارت الشكوك والظنون (فى نفسى) ثم أطلق لسانه قائلا : أريد أن أسر إليك بسر فإن سمعت به مرة ثانية وفشا أمره فأنت هالك فيجب أن تجد فى حفظه ،
