والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم ، صلى الله عليه وسلم ، ومجراه على باب الصفا المذكور ، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم ، فكان مدّة مدّة بالأمطار يطاف حول الكعبة سبحا. فأمر المهدي ، رحمه الله ، برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم ، فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم إلى مجراه واستمر على باب إبراهيم الموضع الذي يسمى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجري الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير. وهو الوادي الذي عنى صلى الله عليه وسلم بقوله حيث حكى الله تبارك وتعالى عنه : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)(١) ، فسبحان من أبقى له الآيات البيّنات.
ذكر مكة شرفها الله تعالى
وآثارها الكريمة وأخبارها الشريفة
هي بلدة قد وضعها الله ، عز وجل ، بين جبال محدقة بها ، وهي بطن واد مقدس ، كبيرة مستطيلة ، تسع من الخلائق ما لا يحصيه إلا الله عز وجل. ولها ثلاثة أبواب : أولها باب المعلى ، ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة ، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج ، يخرج منها إلى طريق المعرة ، وتلك الثنية تعرف بكداء ، وهي التي عنى حسان (٢) بقوله في شعره :
تثير النّقع موعدها كداء
فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم الفتح : ادخلوا من حيث قال حسان. فدخلوا من تلك الثنية. وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي (٣) بقوله :
__________________
(١) سورة إبراهيم : الآية ٣٧.
(٢) حسان بن ثابت النصاري ، شاعر الرسول (ص).
(٣) الحارث بن مضاض الجرهمي : من ملوك الجاهلية. يقول الزركلي في (الأعلام) : وفي أيامه نشطت حركة بني إسرائيل وزحفوا يريدون مكة ، فقاتلهم الحارث فهزمهم.
