الجدة (١) من آبائهم ينزهون أبناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذها وهذا من المفاخر الإسلامية.
وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير ، يأخذ منه المعلم لهم ما يقوم به وينفق منه على الصبيان ما يقوم بهم وبكسوتهم ؛ وهذا أيضا من أغرب ما يحدث به من مفاخر هذه البلاد.
وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها انما هو تلقين ، ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها ، تنزيها لكتاب الله عز وجل عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو. وقد يكون في أكثر البلاد الملقن على حدة والمكتّب على حدة فينفصل من التلقين إلى التكتيب ، لهم في ذلك سيرة حسنة. ولذلك ما يتأتيى لهم حسن الحظ ، لأن المعلم له لا يشتغل بغيره ، فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك ، ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه.
ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات ، في كل جانب سقاية ، كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية ، والماء يجري في كل بيت منها. وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة أنابيب منتظمة بطوله. وأحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون ، وهي أكبرها وفيها من البيوت ما ينيف على الثلاثين ، وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية ، والواحد بعيد من الآخر ، ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا ، والماء نابع فيهما. والثانية في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين ، والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد ، والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه أيضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم. والبلد كله سقايات قلما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه ، من سقاية ، والمرافق به أكثر من أن توصف ، والله يبقيه دار إسلام بقدرته.
__________________
(١) الجدة (بكسر الجيم وفتح الدال) مصدر وجد : الغنى والكفاية.
