وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة ، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم ، وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت. وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام ، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة ، مكشوفة للهواء ، لم ينعطف عليها تعتيب. وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع إلى الهواء أزيد من القامة لم (...) وحوله أنابيب صغار ترمي الماء إلى علو فيخرج عنها كقضبان اللجين ، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف.
وعن يمين الخارج من باب جيرون ، في جدار البلاط الذي أمامه ، غرفة ، ولها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا. فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما : أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب ، والثاني تحت آخرها ؛ والطاستان مثقوبتان ، فعند وقوع البندقتين فيهما تعودان داخل الجدار إلى الغرفة ، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين إلى الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا ؛ وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي ، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر. ولا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تتغلق الأبواب كلها تنقضي الساعات ، ثم تعود إلى حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر ، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة ، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة. مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة. وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة ، فإذا انقضت عمّ الزجاجة ضوء المصباح ، وفاض على الدائرة أمامها شعاعها ، فلاحت للأبصار دائرة محمرة ، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها. وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها ، درب بشأنها وانتقالها ، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها. وهي التي يسميها الناس المنجانة.
