والمثل بمالك (١) يسير. ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه ، ويروق استطلاعه.
وحضرنا له مجلسا ثالثا ، يوم السبت الثالث عشر لصفر ، بالموضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي ، فأخذت معجزاته البيانية مأخذها ، فشاهدنا من أمره عجبا ، صعد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا ، وأسال من أدمعهم وابلا سكبا ، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا ، إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا ، وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا ، لهفان ينادي : يا حسرتا وا حربا. والمنادون يدورون بنحيبهم دور الرحى ، وكل منهم بعد من سكرته ما صحا ، فسبحان من خلفه عبرة لأولي الألباب ، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب ، لا إله سواه.
ثم نرجع إلى ذكر بغداد. هي كما ذكرناه جانبان : شرقي وغربي ، ودجلة بينهما فأما الجانب الغربي فقد عمه الخراب واستولى عليه ، وكان المعمور أولا. وعمارة الجانب الشرقي محدثة ، لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة ، كل محلة منها مدينة مستقلة. وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثمانية منها بجوامع يصلى فيها الجمعة. فأكبرها القريّة ، وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة ، على شط دجلة بمقربة من الجسر ، فحملته دجلة بمدها السيلي ، فعاد الناس يعبرون بالزوارق. والزوارق فيها لا تحصى كثرة ، فالناس ليلا ونهارا من تمادي العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء. والعادة أن يكون لها جسران : أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس. والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.
ثم الكرخ ، وهي مدينة مسورة. ثم محلة باب البصرة ، وهي أيضا مدينة ، وبها جامع المنصور وهو جامع كبير عتيق البنيان حفيله. ثم الشارع ، وهي أيضا مدينة ، فهذه الأربع أكبر المحلات. وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان ، وهي مدينة صغيرة ، فيها المارستان الشهير ببغداد ، وهو على دجلة. وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس ، ويطالعون أحوال المرضى به ، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه ، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية ، وهو قصر كبير فيه المقاصر والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية ، والماء يدخل إليه من دجلة.
__________________
(١) هو مالك بن نويرة الذي قتله خالد بن الوليد ، وكان أخوه متمم يضرب به المثل بين الفتيان.
