ولا تميّز معقولا ، ولا تجد للصبر سبيلا.
ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق ، بديعة الترقيق ، تشعل القلوب وجدا ، ويعود موضعها النسيبي زهدا. وكان آخر ما أنشده من ذلك ، وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام ، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام :
|
أين فؤادي أذابه الوجد |
|
وأين قلبي فما صحا بعد |
|
يا سعد زدني جوىّ بذكرهم |
|
بالله قل لي فديت يا سعد |
ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيه والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه ، إلى أن خاف الإفحام ، فابتدر القيام ، ونزل عن المنبر دهشا عجلا ، وقد أطار القلوب وجلا ، وترك الناس على أحر من الجمر ، يشيعونه بالمدامع الحمر. فمن معلن بالانتحاب ، ومن متعفر في التراب. فيا له من مشهد ما أهول مرآه ، وما أسعد من رآه! نفعنا الله ببركته ، وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته ، بمنّه وفضله. وفي أول مجلسه أنشد قصيدا نيّر القبس ، عراقي النفس ، في الخليفة أوله :
|
في شغل من الغرام شاغل |
|
من هاجه البرق بسفح عاقل |
يقول فيه عند ذكر الخليفة :
|
يا كلمات الله كوني عوذة |
|
من العيون للإمام الكامل |
ففرغ من إنشاده وقد هز المجلس طربا ، ثم أخذ في شأنه وتمادى في إيراد سحر بيانه ، وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطي من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل ، فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا إله غيره.
وشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن نستغرب شأنه ، بالإضافة إلى ما عهدناه من متكلمي الغرب. وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة ، شرّفها الله ، مجالس من قد ذكرناه في هذا التقييد ، فصغرت ، بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ ، في نفوسنا قدرا ، ولم نستطب لها ذكرا. وأين تقعان مما أريد وشتان بين اليزيدين (١) ، وهيهات! الفتيان كثير ،
__________________
(١) الإشارة إلى قول الشاعر أبي الغراف عمرو بن مرثد السلمي في رده على ربيعة الرقي ، وهو يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة ويهجو يزيد بن أسيد السلمي :
