سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في القلب ، ويبعث النفس دائما على الانبساط والأنس ، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا ، وإن كان نازح الدار مغتربا ، حتى حللنا بهذا الموضع المذكور ، وهو على مرحلة منها ، فلما نفحتنا نوافح هوائها ، ونفعنا الغلة ببرد مائها ، أحسنا من نفوسنا ، على حال وحشة الاغتراب ، دواعي من الإطراب ، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالإياب ، وهبت بنا محركات من الإطراب ، أذكرتنا معاهد الأحباب ، في ريعان الشباب. هذا للغريب النازح الوطن ، فكيف للوافد فيها على أهل وسكن!
|
سقى الله باب الطاق صوب غم |
|
امة ورد إلى الأوطان كل غريب |
وفي سحر يوم الأربعاء المذكور رحلنا من القرية المذكورة واجتزنا على مدائن كسرى حسبما ذكرناه وانتهينا إلى صرصر وهي أخت زريران المذكورة حسنا أو قريب منها. ويمر بجانبها القبلي نهر كبير متفرع من الفرات ، عليه جسر معقود على مراكب ، تحف بها من الشط إلى الشط سلاسل حديد عظام ، على الصفة التي ذكرناها في جسر الحلة ، فعبرناه وأجزنا القرية ونزلنا قائلين ، وبيننا وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ. وبهذه القرية سوق حفيلة ومسجد جامع كبير جديد. وهي من القرى التي تملأ النفوس بهجة وحسنا. وهذان النهران الشريفان دجلة والفرات قد أغنت شهرتهما عن وصفهما ، وملتقاهما ما بين واسط والبصرة ، ومنها انصبابهما إلى البحر ، ومجراهما من الشمال إلى الجنوب ، وحسبهما ما خصهما الله به من البركة هما وأخاهما النيل ، مما هو مذكور مشهور ، ورحلنا من ذلك الموضع قبيل الظهر من يوم الأربعاء المذكور وجئنا بغداد قبيل العصر ، والمدخل اليها على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها.
ذكر مدينة السلام بغداد
حرسها الله تعالى
هذه المدينة العتيقة ، وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية ، ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية ، قد ذهب أكثر رسمها ، ولم يبق منا إلا شهير اسمها. وهي بالإضافة
