ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام ، رضوان الله عليهم.
وفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي ، صلى الله عليه وسلم ، شبيه القبة ، وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا ، وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور ، قيل : إنه كان الحجر الذي كان غطى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عند اختبائه في الموضع المذكور ، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وعلى كل واحد من هذه الموالد المذكورة ، قبة خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه. فإذا جاء المبصر لها نحاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور ، نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد بن إسماعيل ، وانتهاب منزله ، وصرفه عن حجابة البيت الحرام ، طهره الله ، وذلك لهنات نسبت إليه لا تليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ)(١) ، أعاذنا الله من سوء القضاء ، ونفوذ سهام الدعاء ، بمنّه.
وفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور توالى مجيء السرويين اليمنيين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الإدام والفواكه اليابسة فأرغدوا البلد. ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة ، فهم رحمة لهذا البلد الأمين. ثم توجهوا إلى الزيارة المباركة ، إلى التربة المباركة ، طيبة مدفن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ووصلوا في أسرع مدة ، قطعوا الطريق من مكة إلى المدينة في يسير أيام ، ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم. وفي أثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج ، خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة ، ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع.
فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق ، وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول ، وهو أمثل طريقة منه ، على ما يذكر. فازدحم السرو للدخول على العادة ، فجاءوا بأمر لم يعهد فيما سلف : يصعدون أفواجا
__________________
(١) سورة الحج : الآية ٢٥.
