المعنى فاعل (١) ، فكما أنّ الفاعل لا يتقدّم على الفعل فكذلك هذا ، ألا ترى أنّ قولك : «حسن زيد أبا» معناه : حسنت أبوّة زيد ، أو حسن أبو زيد.
والثاني (٢) أنّ تقديمه يخرجه عن حقيقة التمييز ، فكان في تقديمه إبطال أصله ، إذ حقيقة التمييز أن يميّز ما أشكل ، وهو في المعنى تفسير ، والتفسير لا يكون إلّا لمفسّر ، والمفسّر لا بدّ في المعنى أن يكون مقدّما على التفسير ، وإلّا لم يكن تفسيرا له ، وفي تقديم التمييز إخراجه عن ذلك ، فوجب تأخيره ، وقد تمسّكوا (٣) بأنّه معمول فعل متصرّف ، فجاز تقديمه كسائر معمولات الأفعال المتصرّفة ، وقوّوا ذلك بما أوردوه من قوله (٤) :
|
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها |
وما كان نفسا بالفراق تطيب |
والجواب عمّا أنشدوه من وجهين :
أحدهما : أنّ الرواية «وما كان نفسي بالفراق تطيب» ، وليس بالقويّ (٥).
والثاني : أنّ ذلك على خلاف القياس واستعمال الفصحاء ، ومثل ذلك مردود لا يحتجّ به ، وما ذكروه من المعنى لا ينهض ، لأنّه معارض بمثله في المنع ، وإذا تعارض المعنيان في الإجازة والمنع كان الأصل المنع حتى يثبت الباب عنهم (٦) سماعا ، فقد تبيّن أنّ ما لم يسمع لا ينهض على (٧) ما نسب إلى سيبويه (٨).
قوله : «واعلم أنّ هذه المميّزات عن آخرها أشياء مزالة عن أصلها» ، وبيّن أنّ الأصل أن يكون التمييز موصوفا بما انتصب عنه ، ألا ترى أنّ معنى قولك : «عندي عشرون درهما» عندي دراهم
__________________
(١) في د : «الفاعل».
(٢) أي : الوجه الثاني لعدم جواز تقديم التمييز على عامله ، والوجه الأول قوله : «لأنه في المعنى فاعل».
(٣) في د : «تمسك» ، لعله يريد الذين أجازوا تقديم التمييز إذا كان عامله فعلا متصرفا. انظر الإنصاف : ٨٢٨.
(٤) هو المخبل السعدي ، والبيت في الخصائص : ٢ / ٣٨٤ والمقاصد للعيني : ٣ / ٢٣٥ وورد بلا نسبة في المقتضب : ٣ / ٣٧ والإنصاف : ٨٢٨.
(٥) ردّ ابن جني رواية المازني والمبرد للبيت بنصب «نفسا» برواية الزجاجي وإسماعيل بن نصر وأبي إسحاق «وما كان نفسي بالفراق تطيب» وقال : «فرواية برواية والقياس من بعد حاكم». الخصائص : ٢ / ٣٨٤.
(٦) في ط : «عندهم».
(٧) سقط من د : «على» ، وهو خطأ.
(٨) انظر الكتاب : ٣ / ٣٠٤ ، ٥٣٨ ـ ٥٣٩.
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)