النداء ، وأنّه كان (١) الأصل : يا أدعو زيدا ، أو أنادي (٢) زيدا ، أو ما أشبهه على معنى الإنشاء ، فلمّا كثر استعماله حذفوا / الفعل تخفيفا واقتصروا عليه ، فكان الموجب لحذفه كثرة استعماله ووقوع حرف يدلّ عليه في محلّه ، وحذف الفعل لما يدلّ عليه ليس ببدع في اللغة ، بل واقع كثيرا كما سيأتي في مواضع ، وليس المعنيّ بكثرة الاستعمال في ذلك وفي مثله أنّهم تكلّموا به على الأصل [كثيرا](٣) ثمّ خفّفوه ، لأنّ ذلك يستلزم وجوده في كلامهم كذلك كثيرا ، وإنّما المعنيّ أنّهم علموا أنّه يكثر استعماله ففعلوا ذلك به من أوّل أمره ، إن قلنا : إنّهم الواضعون باصطلاحهم ، وإن قلنا : إنّ الله تعالى علّمهم ذلك فأوضح (٤).
وإذا تقرّر معنى المنادى (٥) في نفسه فالكلام بعد ذلك يتعلّق بإعرابه وبنائه ، والأصل فيه أن يكون منصوبا ، لأنّه مفعول به ، إلّا أن يعرض ما يوجب بناءه على الضمّ ، أو بناءه على الفتح ، أو إعرابه بالخفض ، فأمّا ما يوجب خفضه فدخول لام الاستغاثة ، وأمّا دخول لام التعجّب فليست في التحقيق داخلة على المنادى ، لما تقرّر أنّ المنادى هو المطلوب إقباله ، والتحقيق أنّ المنادى في قولهم : «يا للماء» و «يا للدّواهي» ليس الماء (٦) ولا الدواهي (٧) ، وإنّما المراد : يا قوم أو (٨) يا هؤلاء اعجبوا للماء وللدّواهي (٩) ، ولذلك سمّيت لام التعجّب بخلاف المستغاث به ، فإنّه في الحقيقة مطلوب الإقبال ، كما إذا قلت : يا زيد ، وإنّما أدخلوا اللّام عليه تنبيها على (١٠) أنّه مستغاث به ،
__________________
(١) في د : «وكان» مكان «وأنه كان».
(٢) في ط : «وأنادي».
(٣) سقط من الأصل. ط. وأثبته عن د.
(٤) انظر الخصائص : ١ / ٤٠ ـ ٤٧.
(٥) في ط : «معنى وضع المنادى».
(٦) في د : «للماء».
(٧) في د : «للدواهي».
(٨) في د : «أي» ، تحريف.
(٩) التقدير عند سيبويه في مثل «يا للماء» : تعال يا ماء ، وفي مثل «يا للدّواهي» : تعالين فإنه لا يستنكر لكنّ ، انظر الكتاب : ٢ / ٢١٧ ـ ٢١٨ ، وحكى ابن السراج أنّ العرب قد تحذف المنادى المستغاث به فيقولون : يا للعجب ويا للماء ، وقال : «كأنهم قالوا : يا لقوم للماء ويا لقوم للعجب». الأصول في النحو : ١ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤ ، ويجوز فيما لا ينادى إلّا مجازا مثل : يا للدواهي ويا للعجب فتح اللام على أنّ ما بعدها مستغاث به ، وكسرها على أن ما بعدها مستغاث من أجله والمستغاث به محذوف ، انظر شرح الكافية للرضي : ١ / ١٣٤ ، وارتشاف الضرب : ٣ / ١٤٢ ، والهمع : ١ / ١٨١.
(١٠) سقط من د : «على».
![الإيضاح في شرح المفصّل [ ج ١ ] الإيضاح في شرح المفصّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2183_alezah-fi-sharh-almofassal-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)